تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

النوع السادس: علم المبهمات — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ٢٠٦ من ١٬٩٢٦.

النوع السادس: علم المبهمات

ج ١ · ص ٢٠٥

فأما أوله ففي صحيح البخاري في حديث بدء الوحي ما يقتضي أن أول ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم: {اقرأ باسم ربك} ثم المدثر

وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث عائشة رضي الله عنها صريحا وقال صحيح الإسناد

ولفظ مسلم أول ما نزل من القرآن: {اقرأ باسم ربك} إلى قوله: {علم الإنسان ما لم يعلم}

ووقع في صحيح البخاري إلى قوله: {وربك الأكرم} وهو مختصر وفي الأول زيادة وهي من الثقة مقبولة

وقد جاء ما يعارض هذا ففي صحيح مسلم عن جابر أول ما نزل من القرآن سورة المدثر

وجمع بعضهم بينهما بأن جابرا سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر قصة بدء الوحي فسمع آخرها ولم يسمع أولها فتوهم أنها أول ما نزلت وليس كذلك نعم هي أول ما نزل بعد سورة: {اقرأ} وفترة الوحي لما ثبت في الصحيحين أيضا عن جابر

ج ١ · ص ٢٠٦

رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث عن فترة الوحي قال في حديثه: "بينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجثثت منه فرقا فرجعت فقلت زملوني زملوني" فأنزل الله تبارك وتعالى {يا أيها المدثر قم فأنذر} فقد أخبر في هذا الحديث عن الملك الذي جاءه بحراء قبل هذه المرة وأخبر في حديث عائشة أن نزول: {اقرأ} كان في غار حراء وهو أول وحي ثم فتر بعد ذلك وأخبر في حديث جابر أن الوحي تتابع بعد نزول {يا أيها المدثر} فعلم بذلك أن: {اقرأ} أول ما نزل مطلقا وأن سورة المدثر بعده وكذلك قال ابن حبان في صحيحه لا تضاد بين الحديثين بل أول ما نزل اقرأ باسم ربك الذي خلق

بغار حراء فلما رجع إلى خديجة رضي الله عنها وصبت عليه الماء البارد أنزل الله عليه في بيت خديجة {يا أيها المدثر} فظهر أنه لما نزل عليه: {اقرأ} رجع فتدثر فأنزل عليه {يا أيها المدثر}

وقيل: أول ما نزل سورة الفاتحة روي ذلك من طريق أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الصوت انطلق هاربا وذكر نزول الملك عليه وقوله قل {الحمد لله رب العالمين} إلى آخرها

وقال القاضي أبو بكر: في الانتصار وهذا الخبر منقطع وأثبت الأقاويل {اقرأ باسم ربك} ويليه في القوة {يا أيها المدثر} وطريق الجمع بين الأقاويل أن أول ما نزل من الآيات {اقرأ باسم ربك} وأول ما نزل من أوامر التبليغ {يا أيها المدثر} وأول ما نزل

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م