النوع الثاني والثلاثون: معرفة أحكامه
ج ٢ · ص ٥٩
وكذا قوله: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} رمى أي ما رميت خلقا إذ رميت كسبا وقيل إن الرمي يشتمل على القبض والإرسال وهما بكسب الرامي وعلى التبليغ والإصابة وهما بفعل الله عز وجل قال ابن جرير الطبري: وهي الدليل على أن الله خالق لأفعال العباد فإن الله تعالى أضافه إلى نبيه ثم نفاه عنه وذلك فعل واحد لأنه من الله تعالى التوصيل إليهم ومن نبيه بالحذف والإرسال وإذا ثبت هذا لزم مثله في سائر أفعال العباد المكتسبة فمن الله تعالى الإنشاء والإيجاد ومن الخلق الاكتساب بالقوى
ومثله قوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء} وقال تعالى: {وقوموا لله قانتين} فقيام الانتصاب لا ينافي القيام بالأمر لاختلاف جهتي الفعل
الرابع: لاختلافهما في الحقيقة والمجاز كقوله: {وترى وترى الناس سكارى وما هم بسكارى} {ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت} وهو يرجع لقول المناطقة الاختلاف بالإضافة أي وترى الناس سكارى بالإضافة إلى أهوال القيامة مجازا وما هم بسكارى بالإضافة إلى الخمر حقيقة
ومثله في الاعتبارين قوله تعالى: {آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} وقوله: {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} وقوله تعالى:
ج ٢ · ص ٦٠
{وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} فإنه لا يلزم من نفي النظر نفي الإبصار لجواز قولهم نظرت إليه فلم أبصره
الخامس: بوجهين واعتبارين وهو الجامع للمفترقات كقوله: {فبصرك اليوم حديد} وقال: {خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي} قال قطرب: {فبصرك} أي: علمك ومعرفتك بها قوية من قولهم بصر بكذا وكذا أي علم وليس المراد رؤية العين قال الفارسي: ويدل على ذلك قوله: {فكشفنا عنك غطاءك} وصف البصر بالحدة
وكقوله تعالى: {وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك} مع قوله: {أنا ربكم الأعلى} فقيل: يجوز أن يكون معناه: ويذرك وآلهتك إن ساغ لهم ويكون إضافة الآلهة إليه ملكا كان يعبد في دين قومه ثم يدعوهم إلى أن يكون هو الأعلى كما تقول العرب موالي من فوق وموالي من أسفل فيكون اعتقادهم في الآلهة مع فرعون أنها مملوكة له فيحسن قولهم وآلهتك
وقوله تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله} مع قوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} فقد يظن أن الوجل خلاف