تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

النوع الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ٨٧٠ من ١٬٩٢٦.

النوع الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام

ج ٢ · ص ٣٧٧

الرابعة: إذا كان الكلام عاما ونفيته فإن تقدم حرف النفي أداة العموم كان نفيا للعموم وهو لا ينافي الإثبات الخاص فإذا قلت: لم أفعل كل ذا بل بعضه استقام وإن تقدم صيغة العموم على النفي فقلت: كل ذا لم أفعله كان النفي عاما ويناقضه الإثبات الخاص

وحكى الإمام في "نهاية الإيجاز" عن الشيخ عبد القاهر أن نفي العموم يقتضي خصوص الإثبات فقوله: لم أفعل كله يقتضي أنه فعل بعضه قال: وليس كذلك إلا عند من يقول بدليل الخطاب بل الحق أن نفي العموم كما لا يقتضي عموم النفي لا يقتضي خصوص الإثبات

الخامسة: أدواته كثيرة قال الخويي: وأصلها "لا" و"ما" لأن النفي إما في الماضي وإما في المستقبل والاستقبال أكثر من الماضي أبدا و"لا" أخف من "ما" فوضعوا الأخف للأكثر

ثم إن النفي في الماضي إما أن يكون نفيا واحدا مستمرا وإما أن يكون نفيا فيه أحكام متعددة وكذلك النفي في المستقبل فصار النفي على أربعة أقسام واختاروا له أربع كلمات: ما، لم، لن، لا

وأما "إن" و"لما" فليسا بأصليين

ج ٢ · ص ٣٧٨

ف "ما" و"لا" في الماضي والمستقبل متقابلان و"لم "و "لن" في الماضي والمستقبل متقابلان و"لم" كأنه مأخوذ من "لا" و"ما" لأن "لم" نفي للاستقبال لفظا فأخذ اللام من "لا" التي هي لنفي الأمر في المستقبل والميم من "ما" التي هي لنفي الأمر في الماضي وجمع بينهما إشارة إلى أن في "لم" المستقبل والماضي وقدم اللام على الميم إشارة إلى أن لا هو أصل النفي ولهذا ينفى بها في أثناء الكلام فيقال: لم يفعل زيد ولا عمرو ولن أضرب زيدا ولا عمرا

أما "لما" فتركيب بعد تركيب كأنه قال: "لم" و"ما" لتوكيد معنى النفي في الماضي وتفيد الاستقبال أيضا ولهذا تفيد لما الاستمرار كما قال الزمخشري: إذا قلت ندم زيد ولم ينفعه الندم أي حال الندم لم ينفعه وإذا قلت: ندم زيد ولما ينفعه الندم أي حال الندم واستمر عدم نفعه

قلت: وقال الفارسي: إذا نفي بها الفعل اختصت بنفي الحال ويجوز أن يتسع فيها فينفى بها الحاضر نحو: ما قام وما قعد

قال الخويي: والفرق بين النفي بلم وما أن النفي بما كقولك: ما قام زيد معناه أن وقت الإخبار هذا الوقت وهو إلى الآن ما فعل فيكون النفي في الماضي وأن النفي بلم كقولك: لم يقم تجعل المخبر نفسه بالعرض متكلما في الأزمنة الماضية ولأنه يقول في كل زمان في تلك الأزمنة أنا أخبرك بأنه لم يقم وعلى هذا فتأمل السر في قوله تعالى: {لم يتخذ ولدا} وفي موضع آخر: {ما اتخذ الله من ولد} لأن الأول في مقام طلب الذكر والتشريف به للثواب والثاني في مقام التعليم وهو لا يفيد إلا بالنفي عن جميع الأزمنة

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م