النوع الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام
ج ٢ · ص ٣٨٧
يتخلف منهم أحد وهذا يعلم من السياق والقرينة
ومن القرينة الدالة على ذلك في قصة الملائكة لفظا أن قوله: يتخلف منهم أحد وهذا يعلم من السياق والقرينة
ومن القرينة الدالة على ذلك في قصة الملائكة لفظا أن قوله: {كلهم} يفيد الشمول والإحاطة فلا بد أن يفيد: {أجمعون} قدرا زائدا على ذلك وهو اجتماعهم في السجود هذا في اللفظ وأما المعنى فلأن الملائكة لم تكن ليتخلف أحد منهم عن امتثال الأمر ولا يتأخر عنده ولاسيما وقد وقت لهم بوقت وحد لهم بحد وهو التسوية ونفخ الروح فلما حصل ذلك سجدوا كلهم عن آخرهم في آن واحد ولم يتخلف منهم أحد فعلى هذا يخرج كلام المبرد الزمخشري
وما نقل عن بعض المتكلمين أن السجود لم يستعمل على الكل بدليل قوله: {أستكبرت أم كنت من العالين} مردود بل العالون المتكبرون وفي رسائل إخوان الصفاء أن العالين هم العقول العاقة التي لم تسجد وهذا تحريف ولم يقم دليل على إثبات العقول التي تدعيها الفلاسفة
ووقع خلاف في أن إبليس من الملائكة أم لا؟ والتحقيق أنه ليس منهم عنصرا ففي صحيح مسلم: "خلقت الملائكة من نور وخلقت الجان من النار وخلق آدم مما وصف لكم" وهو منهم حكما لدخوله في الخطاب بالأمر بالسجود معهم ولو كان من غيرهم لم يدخل معهم
وأما قوله: {إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين} فلم يذكر قبله "كلهم" لما
ج ٢ · ص ٣٨٨
لم يكن المراد كل واحد واحد من الآية لم تحسن الزيادة في التأكيد بدليل الاستثناء بعده من قوله: {إلا امرأته}
ومنها: قصد تحقيق المخبر به كقوله تعالى: {إني جاعل} فأكد بإن وباسم الفاعل مع أنهم ليسوا بشاكين في الخبر
ومثله: {إنك ميت وإنهم ميتون}
وقال حاكيا عن نوح: {إنك إن تذرهم يضلوا عبادك}
ومنها: قصد إغاظة السامع بذلك الخبر كقوله: {إنك لمن المرسلين}
ومنها: الترغيب كقوله: {فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم} أكده بأربع تأكيدات وهي إن وضمير الفصل والمبالغتان مع الصفتين له ليدل على ترغيب الله العبد في التوبة فإنه إذا علم ذلك طمع في عفوه وقوله: {لا تحزن إن الله معنا}
ومنها: الإعلام بأن المخبر به كله من عند المتكلم كقوله: {فإما يأتينكم مني هدى} دون الاقتصار على "يأتينكم هدى" قال المفسرونك فيه إشارة إلى أن الخير كله منه
وعليه قوله: {قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور} {قد جاءكم برهان من ربكم}