النوع الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام
ج ٢ · ص ٣٩٢
تعالى: {وكلم الله موسى تكليما} فإنه لما أريد كلام الله نفسه قال: {تكليما} ودل على وقوع الفعل حقيقة أما تأكيد فاعله فلم يتعرض له ولقد سخف عقل من تأوله على أنه كلمه بأظفار المحن من الكلم وهو الجرح لأن الآية مسوقة في بيان الوحي ويحكى أنه استدل بعض علماء السنة على بعض المعتزلة في إثبات التكليم حقيقة بالآية من جهة أن المجاز لا يؤكد فسلم المعتزلي له هذه القاعدة وأراد دفع الاستدلال من جهة أخرى فادعى أن اللفظ إنما هو {وكلم الله موسى} بنصب لفظ الجلالة وجعل موسى فاعلا ب كلم وأنكر القراءة المشهورة وكابر فقال السني: فماذا تصنع بقوله تعالى: {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} فانقطع المعتزلي عند ذلك
قال ابن الدهان: ومما يدل على أن التأكيد لا يرفع المجاز قول الشاعر:
قرعت ظنابيب الهوى يوم عالج
ويوم اللوى حتى قسرت الهوى قسرا
قلت: وكذا قوله: {ومكروا مكرا ومكرنا مكرا} وأما قوله تعالى: {ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا} فمفعول {أسررت} محذوف أي: الدعاء والإنذار ونحوه
فإن قلت: التأكيد ينافي الحذف فالجواب من وجهين:
ج ٢ · ص ٣٩٣
أحدهما: أن المصدر لم يؤت به هنا للتأكيد وإن كان بصورته لأن المعنى ليس على ذلك وإنما أتي به لأجل الفواصل ولهذا لم يؤت بمصدر {أعلنت} وهو مثله
والثاني: أن "أسر" وإن كان متعديا في الأصل إلا أنه هنا قطع النظر عن مفعوله وجعل نسيا كما في قوله فلان يعطى ويمنع فصار لذلك كاللازم وحينئذ فلا منافاة بين المجيء به بالمصدر لو كان
ثم التأكيد بالمصدر تارة يجيء من لفظ الفعل كما سبق وتارة يجيء من مرادفه كقوله تعالى: {ثم إني دعوتهم جهارا} فإن الجهار أحد نوعي الدعاء وقوله: {ليا بألسنتهم} فإنه منصوب بقوله: {يحرفون الكلم} لأن {ليا} نوع من التحريف
ويحتمل أن يكون منه: {أتأخذونه بهتانا} لأن البهتان ظلم والأخذ على نوعين: ظلم وغيره
وزعم الزمخشري قوله: {نافلة لك} وضع {نافلة} موضع تهجدا لأن التهجد عبادة زائدة فكان التهجد والنافلة يجمعهما معنى واحد