النوع الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام
ج ٢ · ص ٣٩٣
أحدهما: أن المصدر لم يؤت به هنا للتأكيد وإن كان بصورته لأن المعنى ليس على ذلك وإنما أتي به لأجل الفواصل ولهذا لم يؤت بمصدر {أعلنت} وهو مثله
والثاني: أن "أسر" وإن كان متعديا في الأصل إلا أنه هنا قطع النظر عن مفعوله وجعل نسيا كما في قوله فلان يعطى ويمنع فصار لذلك كاللازم وحينئذ فلا منافاة بين المجيء به بالمصدر لو كان
ثم التأكيد بالمصدر تارة يجيء من لفظ الفعل كما سبق وتارة يجيء من مرادفه كقوله تعالى: {ثم إني دعوتهم جهارا} فإن الجهار أحد نوعي الدعاء وقوله: {ليا بألسنتهم} فإنه منصوب بقوله: {يحرفون الكلم} لأن {ليا} نوع من التحريف
ويحتمل أن يكون منه: {أتأخذونه بهتانا} لأن البهتان ظلم والأخذ على نوعين: ظلم وغيره
وزعم الزمخشري قوله: {نافلة لك} وضع {نافلة} موضع تهجدا لأن التهجد عبادة زائدة فكان التهجد والنافلة يجمعهما معنى واحد
ج ٢ · ص ٣٩٤
وقوله: {وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا} قيل: كان الأصل تكرار الصدق بلفظه فاستثقل التكرار للتقارب فعدل إلى ما يجاريه خفة ولتجرى المصادر الثلاثة مجرى واحدا خفة ووزنا إحرازا للتناسب
وأما قوله: {والله أنبتكم من الأرض نباتا. ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا} ففائدة {إخراجا} أن المعاد في الأرض هو الذي يخرجكم منها بعينه دفعا لتوهم من يتوهم أن المخرج منها أمثالهم وأن المبعوث الأرواح المجردة
فإن قيل: هذا يبطل بقوله تعالى: {نبتكم من الأرض نباتا} فإنه أكد بالمصدر وليس المراد حقيقة النبات
قلت: لا جرم حيث لم يرد الحقيقة هنا لم يؤكده بالمصدر الحقيقي القياسي بل عدل به إلى غيره وذلك لأن مصدر أنبت الإنبات والنبات اسمه لا هو كما قيل في "الكلام" و"السلام": اسمان للمصدر الأصلي الذي هو التكليم والتسليم وأما قوله: {وتبتل إليه تبتيلا} وإن لم يكن جاريا على تبتل لكنه ضمن معنى: بتل نفسك تبتلا
ومثله قوله: {وتعالى عما يقولون علوا كبيرا} قال أبو البقاء: هو موضع تعاليا لأنه مصدر قوله: {وتعالى} ويجوز أن يقع مصدرا في موضع آخر من معناه وكذا قال الراغب قال: وإنما عدل عنه لأن لفظ التفاعل من التكلف كما يكون من البشر