النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة
ج ٢ · ص ٤٤٠
ونظير هذا مما وقع فيه اسم موضع غيره إيجازا ثم جرى الكلام مجراه في الحديث عمن هو له وإن لم يذكر قوله تعالى: {وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون} فعاد هذا الضمير والخبر على أهل القرية الذين أقيمت القرية في الذكر مقامهم فجرى الكلام مجراه مع حصول الإيجاز في وضع القرية موضع أهلها وفهم المعنى بغير كلفة وهذه الغاية في البيان يقصد عن مداها الإنسان
ومنها قوله تعالى: {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة} قال ابن عمرون: لما فهم منها التأكيد ظن بعضهم أنها ليست بصفة وليس بجيد لأنها دلالة على بعض أحوال الذات وليس في {واحدة} دلالة على نفخ فدل على أنها ليست تأكيدا
وفي فائدة {واحدة} خمسة أقوال:
أحدها: التوكيد مثل قولهم: "أمس الدابر"
الثاني: وصفها ليصح أن تقوم مقام الفاعل لأنها مصدر والمصدر لا يقوم مقام الفاعل إلا إذا وصف ورد بأن تحديدها بتاء التأنيث مصحح لقيامها مقام الفاعل
الثالث: أن الوحدة لم تعلم من نفخة إلا ضمنا وتبعا لأن قولك نفخة يفهم منه أمران النفخ والوحدة فليست نفخة موضوعة للوحدة فلذلك صح وصفها
الرابع: وصفه النفخة بواحدة لأجل نفي توهم الكثرة كقوله تعالى: {إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} فالنعمة في اللفظ واحدة وقد علق عدم الإحصاء بعدها
ج ٢ · ص ٤٤١
الخامس: أتى بالوحدة ليدل على أن النفخة لا اختلاف في حقيقتها فهي واحدة بالنوع كقوله: {وما أمرنا إلا واحدة} أي: لا اختلاف في حقيقته
ومنها قوله تعالى: {وإلهكم إله واحد} قيل: ما فائدة {إله} وهلا جاء وإلهكم واحد وهو أوجز قيل: لو قال: وإلهكم واحد لكان ظاهره إخبارا عن كونه واحدا في إلهيته يعني لا إله غيره ولم يكن إخبارا عن توحده في ذاته بخلاف ما إذا كرر ذكر الإله والآية إنما سيقت لإثبات أحديته في ذاته ونفي ما يقوله النصارى إنه إله واحد والأقانيم ثلاثة أي الأصول كما أن زيدا واحدا وأعضاؤه متعددة فلما قال: {إله واحد} دل على أحدية الذات والصفة
ولقائل أن يقول: قوله: {واحد} يحتمل الأحدية في الذات والأحدية في الصفات سواء ذكر الإله أولا فلا يتم الجواب
ومنها قوله: {ومناة الثالثة الأخرى} ومعلوم بقوله: {الثالثة} أنها {الأخرى} وفائدته التأكيد ومثله على رأي الفارسي: {وأنه أهلك عادا الأولى}
وأما قوله: {فخر عليهم السقف من فوقهم} قيل: بمعنى "عن" أي: خر عن كفرهم بالله كما تقول: اشتكى فلان عن دواء شربه أي من أجل كفرهم أو بمعنى اللام أي فخر لهم وقيل لأن العرب لا تستعمل لفظة "على" في مثل هذا الموضع إلا في الشر والأمر المكروه تقول خربت على فلان ضيعته كقوله: {واتبعوا