النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة
ج ٢ · ص ٤٤٤
والذي يظهر في ذلك أن الموجب لتقديم "الغرابيب" هو تناسب الكلم وجريانها على نمط متساوي التركيب وذلك أنه لما تقدم البيض والحمر دون إتباع كان الأليق بحسن النسق وترتيب النظام أني يكون السود كذلك ولكنه لما كان في السود هنا زيادة الوصف كان الأليق في المعنى أن يتبع بما يقتضي ذلك وهو الغرابيب فيقابل حظ اللفظ وحظ المعنى فوفى الخطاب وكمل الغرضان جميعا ولم يطرح أحدهما الآخر فيقع النقص من جهة الطرح وذلك بتقديم الغرابيب على السود فوقع في لفظ الغرابيب حظ المعنى في زيادة الوصف وفي ذكر السود مفردا من الإتباع حظ اللفظ إذا جاء مجردا عن صورة البيض والحمر فاتسقت الألفاظ كما ينبغي وتم المعنى كما يجب ولم يخل بواحدة من الوجهين ولم يقتصر على الغرابيب وإن كانت متضمنة لمعنى السود لئلا تتنافر الألفاظ فإن ضم الغرابيب إلى البيض والحمر ولزها في قرن واحد:
*كابن اللبون إذا ما لز في قرن*
غير مناسب لتلاؤم الألفاظ وتشاكلها وبذكر السود وقع الالتئام واتسق نسق النظام وجاء اللفظ والمعنى في درجة التمام وهذا لعمر الله من العجائب التي تكل دونها العقول وتعيا بها الألسن لا تدري ما تقول! والحمد لله
ج ٢ · ص ٤٤٥
ثم رأيت أبا القاسم السهيلي أشار إلى معنى غريب فنقل عن أبي حنيفة الدينوري أن الغربيب اسم لنوع من العنب وليس بنعت قال: ومن هذا يفهم معنى الآية وسود عندي بدل لا نعت وإن كان الغربيب إذا أطلق لفظه ولم يقيد بذكر شيء موصوف قلما يفهم منه العنب الذي هو اسمه خاصة فمن ثم حسن التقييد
الثامنة: عند تكرار النعوت لواحد
إذا تكررت النعوت لواحدة فتارة يترك العطف كقوله ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم وتارة تشترك بالعطف كقوله: {سبح اسم ربك الأعلى. الذي خلق فسوى. والذي قدر فهدى} ويشترط في ذلك اختلاف معانيها قال الزمخشري وأبو البقاء: دخول العاطف يؤذن بأن كل صفة مستقلة
والعطف أحسن إن تباعد معنى الصفات نحو: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} وإلا فلا
التاسعة: فصل الجمل في مقام المدح والذم أبلغ من جعلها نمط واحدا
قال أبو علي الفارسي: إذا ذكرت صفات في معرض المدح والذم فالأحسن أن يخالف في إعرابها لأن المقام يقتضي الإطناب فإذا خولف في الإعراب كان المقصود أكمل لأن المعاني عند الاختلاف تتنوع وتتفتن وعند الإيجاز تكون نوعا واحدا