النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة
ج ٢ · ص ٤٥٦
المستقيم فإن مجيء الخاص والأخص بعد العام والأعم كثير ولهذا المعنى قال الحذاق في قوله تعالى: {ما يلفظ من قول} إنه لو عكس فقيل " ما يقول من لفظ " لم يجز لأن القول أخص من اللفظ لاختصاصه بالمستعمل واللفظ يشمل المهمل الذي لا معنى له
وقد يجيء للاشتمال والفرق بينه وبين بدل البعض أن البدل في البعض جر في الاشتمال وصفا كقوله: {وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره} فإن أذكره بمعنى " ذكره " وهو بدل من الهاء في {أنسانيه} العائدة إلى الحوت وتقديره: " وما أنساني ذكره إلا الشيطان "
وقوله: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} ف {قتال} بدل من "الشهر " بدل الاشتمال لأن الشهر يشتمل على القتال وعلى غيره كما كان زيد يشتمل على العقل وغيره وهو مؤكد لأنهم لم يسألوا عن الشهر الحرام فإنهم يعلمونه وإنما سألوا عن القتال فيه فجاء به تأكيدا
وقوله: {قتل أصحاب الأخدود. النار} فالنار بدل من " الأخدود " بدل اشتمال لأنه يشتمل على النار وغيرها والعائد محذوف تقديره " الموقدة فيه"
ومن بدل البعض قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} فالمستطيعون بعض الناس لا كلهم
وقال ابن برهان: بل هذه بدل كل من كل واحتج بأن الله لم يكلف الحج من لا يستطيعه فيكون المراد بالناس بعضهم على حد قوله: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا
ج ٢ · ص ٤٥٧
لكم} في أنه لفظ عام أريد به خاص لأن {الناس} في اللفظ الأول لو كان المراد به الاستغراق لما انتظم قوله بعده: {إن الناس} فعلى هذا هو عنده مطابق لعدة المستطيعين في كميتهم وهم بعض الناس لا جميعهم
والصحيح ما صار عليه الجمهور لأن باب البدل أن يكون في الثاني بيان ليس في الأول بأن يذكر الخاص بعد العام مبينا وموضحا
ولا بد في إبدال البعض من ضمير كقوله: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} {ويجعل الخبيث بعضه على بعض}
وقد يحذف لدليل كقوله: {ولله على الناس حج البيت من استطاع} " منهم " وهو مراد بدليل ظهوره في الآية الأخرى وهي قوله: {وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم} ف {من آمن} بدل من {أهله} وهم بعضهم
وقد يأتي البدل لنقل الحكم عن مبدله نحو: جاء القوم أكثرهم وأعجبني زيد ثوبه وقال ابن عصفور: ولا يصح "غلمانه "
وعدل عن البدل في قوله تعالى: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} لأنه أريد الإخبار عنهم كلهم في الحال الثاني وهو {ولو أنهم صبروا} فلو أبدل لأوهم بخلاف " إنك أن تقوم خير لك " البدل أرجح
والبدل في تقدير تكرير العامل وليس كالصفة ولكنه في تقدير جملتين بدليل تكرير حرف الجر