النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة
ج ٢ · ص ٤٥٨
قد يكرر عامله إذا كان حرف جر كقوله: {ومن النخل من طلعها قنوان دانية} ف {طلعها} بدل اشتمال من {النخل} وكرر العامل فيه وهو "من"
وقوله تعالى: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم} {لمن آمن} بدل بعض من كل من {الذين استضعفوا} لأن المؤمنين بعض المستضعفين وقد كرر اللام
وقوله: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة} فقوله {لبيوتهم} بدل اشتمال من قوله: {لمن يكفر بالرحمن} وجعل ابن عطية اللام الأولى للملك والثانية للاختصاص فعلى هذا يمتنع البدل لاختلاف معنى الحرفين
وقوله تعالى: {تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا} ف {لأولنا وآخرنا} بدل من الضمير في {لنا} وقد أعيد معه العامل مقصودا به التفصيل
ومنه قراءة يعقوب: {وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها} قال أبو الفتح: جاز إبدال الثانية من الأولى لأن في الثانية ذكر سبب الجثو
قيل: ولم يظهر عامل البدل إذا كان حرف جر إيذانا بافتقار الثاني إلى الأول فإن حروف الجر مفتقرة ولم يظهروا الفعل إذا لو أظهروه لانقطع الثاني عن الأول بالكلية لأن الكلام مع الفعل قائم بنفسه
ج ٢ · ص ٤٥٩
واعلم أنه لا خلاف في جواز إظهار العامل في البدل إذا كان حرف جر كالآيات السابقة فإن كان رافعا أو ناصبا ففيه خلاف والمجوزون احتجوا بقوله تعالى: {فاتقوا الله وأطيعون. واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون. أمدكم} يجوز أن يكون {أمدكم} الثاني بدلا من {أمدكم} الأول وقد يكون من إبدال الجملة من الجملة وتكون الثانية صلة " الذي " كالأولى ويجوز أن تكون الثانية شارحة للأولى كقولك ضربت رأس زيد قذفته بالحجر ثم قوله تعالى: {ياقوم اتبعوا المرسلين. اتبعوا من لا يسألكم} أبدل قوله: {اتبعوا من لا يسألكم} من قوله: {اتبعوا المرسلين} لأنه أكثر تلطفا في اقتضاء اتباعهم وقوله تعالى: {ومن يفعل ذلك يلق أثاما. يضاعف له العذاب} ف {يلق} مجزوم بحذف الألف لأنه جواب الشرط ثم أبدل منه {يضاعف له العذاب} فبين بها الأثام ما هو
تقسيم البدل باعتبار آخر
وينقسم البدل باعتبار آخر إلى بدل مفرد من مفرد وجملة من جملة وقد سبقا وجملة من مفرد كقوله تعالى: {كمثل آدم خلقه من تراب} وقوله: {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم} وجاز إسناد {يقال} إلى ما عملت فيه كما جاز إسناد {قيل} في {وإذا قيل إن وعد الله حق} ومن إبدال الجملة من المفرد قوله تعالى: {وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا