النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة
ج ٢ · ص ٤٦٧
وقضي الأمر} على هذه القراءة أنه معطوف على {الله} لأن قضاءه قديم
وذكر أيضا في قوله تعالى: {الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء} حاصله أن قوله: {يا أيها الناس} إذا أريد به العموم كان قوله: {وخلق منها زوجها} عطفا على مقدر أي أنشأها وأوجدها {وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا} يعني خلقكم من نفس هذه صفتها وإن أريد به المخاطبون بمكة كان قوله: {خلق} عطفا على {خلقكم} وموجب ذلك الفرار من التكرار
وعلى هذا فيجوز أن يكون "جبريل" معطوفا على لفظ الجلالة فلا تكون الآية من هذا النوع ولو سلمنا بعطفه على رسله فكذلك لكن الظاهر أن المراد بالرسل من بني آدم لعطفهم على الملائكة فليسوا منه وفي الآية سؤالان
أحدهما: لم خص جبريل وميكائيل بالذكر؟ الثاني: لم قدم جبريل عليه؟
والجواب عن الأول أنه سبحانه وتعالى خصهما بالحياة فجبريل بالوحي الذي هو حياة القلوب وميكائيل بالرزق الذي هو حياة الأبدان ولأنهما كانا سبب النزول في تصريح اليهود بعداوتهما
وعن الثاني أن حياة القلوب أعظم من حياة الأبدان ومن ثم قيل
ج ٢ · ص ٤٦٨
عليك بالنفس فاستكمل فضائلها
فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
ومنه قوله تعالى: {فيهما فاكهة ونخل ورمان} وغلط بعضهم من عد هذه الآية من هذا النوع من جهة أن فاكهة نكرة في سياق الإثبات فلا عموم لها
وهو غلط لأمرين:
أحدهما: أنها في سياق الإثبات وهو مقتضى العموم كما ذكره القاضي أبو الطيب الطبري
والثاني: أنه ليس المراد بالخاص والعام هاهنا المصطلح عليه في الأصول بل كل ما كان الأول فيه شاملا للثاني
وهذا الجواب أحسن من الأول لعمومه بالنسبة إلى كل مجموع يشتمل على متعدد ولما لمح أبو حنيفة معنى العطف وهو المغايرة لم يحنث الحالف على أكل الفاكهة بأكل الرمان
ومنه قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} إذ الأمر والنهي من جملة الدعاء إلى الخير
وقوله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد} والقصد تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم وما نزل عليه إذ لا يتم الإيمان إلا به
وقوله: {ولهم فيها منافع ومشارب}