النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة
ج ٢ · ص ٤٨٢
ومنه بيت الكتاب:
إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها
سواقط من حر وقد كان أظهرا
ولو أتى على وجهه لقال: "إذا الوحش ضمها"
وإنما يسأل عن حكمته إذا وقع في الجملة الواحدة فإن كان في جملتين مستقلتين كالبيت سهل الأمر لكن الجملتين فيه كالجملة الواحدة لأن الرافع للوحش الأول فعل محذوف كما يقول البصريون والفعل المذكور ساد مسد الفعل المحذوف حتى كأنه هو ولهذا لا يجتمعان وإن قدر رفع الوحش بالابتداء فالكلام جملة واحدة
ويسهل عند اختلاف اللفظين كقوله:
إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت
حبال الهوينى بالفتى أن تقطعا
فاختلاف لفظين ظاهرين أشبها لفظي الظاهر والمضمر في اختلاف اللفظ وعليه قوله تعالى: {ومنهم الذين يؤذون النبي} ثم قال: {والذين يؤذون رسول الله} ولم يقل: يؤذونه مع ما في ذلك من التعظيم فالجمع بين الوصفين كقوله في الحديث: "نبيك الذي أرسلت" وقوله: {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} الآية فإنه قد تكرر اسم الله ظاهرا في هذه الجمل الثلاث ولم يضمر لدلالته على استقلال كل جملة منها وأنها لم تحصل مرتبطة ببعضها ارتباط ما يحتاج فيه إلى إضمار
وقوله: {والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان}
ج ٢ · ص ٤٨٣
وفيه دلالة على أن الطاغوت هو الشيطان وحسن ذلك هنا تنبيها على تفسيره
وقال ابن السيد: إن كان في جملتين حسن الإظهار والإضمار لأن كل جملة تقوم بنفسها كقولك: جاء زيد وزيد رجل فاضل وإن شئت قلت: وهو رجل فاضل
وقوله: {مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته}
وإن كان في جملة واحدة قبح الإظهار ولم يكد يوجد إلا في الشعر كقوله:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
قال: وإذا اقترن بالاسم الثاني حرف الاستفهام بمعنى التعظيم والتعجب كان المناسب الإظهار كقوله: تعالى: {الحاقة. ما الحاقة} و {القارعة. ما القارعة} والإضمار جائز كقوله تعالى: {فأمه هاوية. وما أدراك ما هيه}
الخروج على خلاف الأصل وأسبابه
واعلم أن الأصل في الأسماء أن تكون ظاهرة وأصل المحدث عنه كذلك والأصل أنه إذا ذكر ثانيا أن يذكر مضمرا للاستغناء عنه بالظاهر السابق كما أن الأصل في الأسماء الإعراب وفي الأفعال البناء وإذا جرى المضارع مجرى الاسم أعرب كقوله تعالى: {فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون}