51
ج ١ · ص ١٣٢
الأبصار لا تعمى"، وكذلك السبيل أبدا في كل كلام كان فيه ضمير قصة. فقوله تعالى: {إنه لا يفلح الكافرون} [المؤمنون: 117]، يفيد من القوة في نفي الفلاح عن الكافرين، ما لو قيل: "إن الكافرين لا يفلحون"، لم يستفد ذلك. ولم يكن ذلك كذلك إلا أنك تعلمه إياه من بعد تقدمة وتنبيه، أنت به في حكم من بدأ وأعاد ووطد، ثم بنى ولوح ثم صرح1. ولا يخفى مكان المزية فيما طريقه هذا الطريق.
تقديم المحدث عنه يقتضي تأكيد الخبر:
ويشهد لما قلنا من أن تقديم المحدث عنه يقتضي تأكيد الخبر وتحقيقه له، أنا إذا تأملنا وجدنا هذا الضرب من الكلام يجيء فيما سبق فيه إنكار من منكر، نحو أن يقول الرجل: "ليس لي علم بالذي تقول" فتقول له: "أنت تعلم أن الأمر على ما أقول، ولكنك تميل إلى خصمي" وكقول الناس: "هو يعلم ذاك وإن أنكر، وهو يعلم الكذب فيما قال وإن حلف عليه" وكقوله تعالى: {ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} [آل عمران: 75، 78]، فهذا من أبين شيء. وذاك أن الكاذب، لا سيما في الدين، لا يعترف بأنه كاذب، وإذا لم يعترف بأنه كاذب، كان أبعد من ذلك أن يعترف بالعلم بأنه كاذب.
أو يجيء فيما اعترض فيه شك، نحو أن يقول الرجل: "كأنك لا تعلم ما صنع فلان ولم يبلغك"، فيقول: "أنا أعلم، ولكني أداريه".
ج ١ · ص ١٣٣
أو في تكذيب مدع كقوله عز وجل: {وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به} [المائدة: 61]، وذلك أن قولهم: "آمنا"، دعوى منهم أنهم لم يخرجوا بالكفر كما دخلوا به، فالموضع موضع تكذيب.
أو1 فيما القياس في مثله أن لا يكون، كقوله تعالى: {واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} [الفرقان: 3]، وذلك أن عبادتهم لها تقتضي أن لا تكون مخلوقة.
وكذلك في كل شيء كان خبرا على خلاف العادة، وعما يستغرب من الأمر نحو أن تقول: "ألا تعجب من فلان؟ يدعي العظيم، وهو يعيى باليسير، ويزعم انه شجاع، وهو يفزع من أدنى شيء".
وجوه تقديم المحدث عنه، ومعانيها:
ومما يحسن ذلك فيه ويكثر، الوعد والضمان، كقول الرجل: "أنا أعطيك، أنا أكفيك، أنا أقوم بهذا الأمر"، وذلك أن من شأن من تعده وتضمن له، أن يعترضه الشك في تمام الوعد وفي الوفاء به، فهو من أحوج شيء إلى التأكيد.
وكذلك يكثر في المدح، كقولك: "أنت تعطي الجزيل، أنت تقري في المحل، أنت تجود حين لا يجود أحد"، وكما قال:
ولأنت تقري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري2