تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

73 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ١٧٠ من ٦٧٠.

73

ج ١ · ص ١٧١

وذاك أن من حذق الشاعر أن يوقع المعنى في نفس السامع إيقاعا يمنعه به من أن يتوهم في بدء الأمر شيئا غير المراد، ثم ينصرف إلى المراد، ومعلوم أنه لو أظهر المفعول فقال: "وسورة أيام حززن اللحم إلى العظم"، لجاز أن يقع في وهم السامع إلى أن يجيء إلى قوله: "إلى العظم"، أن، هذا الحز كان في بعض اللحم دون كله، وأنه قطع ما يلي الجلد ولم ينته إلى ما يلي العظم. فلما كان كذلك، وترك ذكر "اللحم" وأسقطه من اللفظ، ليبرئ السامع من هذا الوهم، ويجعله بحيث يقع المعنى منه في أنف الفهم1، ويتصور في نفسه من أول الأمر أن الحز مضى في اللحم حتى لم يرده إلا العظم.

أفيكون دليل أوضح من هذا وأبين وأجلى في صحة ما ذكرت لك، من أنك قد ترى ترك أفصح من الذكر، والامتناع من أن يبرز اللفظ من الضمير، أحسن للتصوير؟

القول في نظم الكلام ومكان النحو منه

ج ١ · ص ١٧٢

فصل 1: القول على فروق في الخبر

الخبر الذي هو جزء من الجملة والخبر الذي ليس بجزء منها:

أول2 ما ينبغي أن يعلم منه أنه ينقسم إلى خبر هو جزء من الجملة لا تتم الفائدة دونه3، وخبر ليس بجزء من الجملة، ولكنه زيادة في خبر آخر سابق له. فالأول خبر المبتدأ، كمنطلق في قولك: "زيد منطلق"، والفعل كقولك: "خرج زيد"، فكل واحد من هذين جزء من الجملة، وهو الأصل في الفائدة والثاني هو الحال: كقولك: "جاءني زيد راكبا"، وذاك لأن الحال خبر في الحقيقة، من حيث إنك تثبت بها المعنى لذي الحال، كما تثبت بخبر المبتدأ للمبتدأ، وبالفعل للفاعل4. ألا تراك قد أثبت "الركوب" في قولك: "جاءني زيد راكبا" لزيد؟ إلا أن الفرق أنك جئت به لتزيد معنى في إخبارك عنه بالمجيء، وهو أن تجعله بهذه الهيئة في مجيئه، ولم تجرد إثباتك للركوب ولم تباشره، به، بل ابتدأت فأثبت المجيء، ثم وصلت به الركوب فالتبس به الإثبات على سبيل التبع للمجيء، وبشرط أن يكون في صلته. وأما في الخبر المطلق نحو: "زيد منطلق" و "خرج عمرو"، فإنك مثبت للمعنى إثباتا جردته له، وجعلته يباشره من غير واسطة، ومن غير أن تتسبب بغيره إليه، فأعرفه.

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م