تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

80 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ١٨٦ من ٦٧٠.

80

ج ١ · ص ١٨٧

أبوك حباب سارق الضيف برده ... وجدي يا حجاج فارس شمرا1

أنه لا فصل بينه وبين أن يقال: حباب أبوك، وفارس شمر جدي". وهو موضع غامض.

والذي يبين وجه الصواب، ويدل على وجوب الفرق بين المسئلتين: أنك إذا تأملت الكلام وجدت الا يحتمل التسوية، وما تجد الفرق قائما فيه قياما لا سبيل إلى دفعه، هو الأعم الأكثر2.

وإن أردت أن تعرف ذلك، فانظر إلى ما قدمت لك من قولك: "اللابس الديباج زيد"3، وأنت تشير له إلى رجل بين يديه، ثم انظر إلى قول العرب: "ليس الطيب إلا المسك"4، وقول جرير:

ألستم خير من ركب المطايا5

ونحو قول المتنبي:

ألست ابن الألى سعدوا وسادوا6

81

ج ١ · ص ١٨٨

وأشباه ذلك مما لا يحصى ولا يعد وأرد المعن على أن يسلم لك مع قلب طرفي الجملة1، وقل: "ليس المسك إلا الطيب"، و "أليس خير من ركب المطايا إياكم؟ "، و "أليس ابن الألى سعدوا وسادوا إياك"؟ 2 تعلم أن الأمر على ما عرفتك من وجوب اختلاف المعنى بحسب التقديم والتأخير.

المبتدأ مبتدأ لأنه مسند إليه والخبر خبر لأنه مسند تثبت به وبيان ذلك:

وههنا نكتة جيب القطع معها بوجوب هذا الفرق أبدا، وهي أن المبتدأ لم يكن مبتدأ لأنه منطوق به أولا، ولا كان الخبر خبرا لنه مذكور بعد المبتدأ، بل كان المبتدأ مبتدأ لنه مسند إليه ومثبت له المعنى، والخبر خبرا لأنه مسند ومثبت به المعنى.

تفسير ذلك: أنك إذا قلت: "زيد منطلق" فقد أثبت الانطلاق لزيد وأسندته إليه، فزيد مثبت له، ومنطلق مثبت به، وأما تقديم المبتدأ على الخبر لفظا، فحكم واجب من هذه الجهة، أي من جهة أن كان المبتدأ هو الذي يثبت له المعنى ويسند إليه، والخبر هو الذي يثبت به المعنى ويسند. ولو كان المبتدأ مبتدأ لنه في اللفظ مقدم مبدوء به، لكان ينبغي أن يخرج عن كونه مبتدأ بأن يقال: "منطلق زيد"، ولوجب أن يكون قولهم: "إن الخبر مقدم في اللفظ والنية به التأخير"، محالا. وإذا كان هذا كذلك ثم جئت بمعرفتين فجعلتهما متبدأ وخبرا فقد وجب وجوبا أن تكون مثبتا بالثاني معنى للأول. فإذا قلت: "زيدا أخوك"، كنت قد أثبت بأخوك معنى لزيد، وإذا قدمت وأخرت فقلت:

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م