تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

101 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٢٢٦ من ٦٧٠.

101

ج ١ · ص ٢٢٧

ومثل ذلك قوله تعالى: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون، ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم} [البقرة: 6، 7] قوله تعالى: {لا يؤمنون}، تأكيد لقوله: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم}، وقوله: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم}، تأكيد ثان أبلغ من الأول، لأن من كان حاله إذا أنذر مثل حاله إذا لم يندر، كان في غاية الجهل، وكان مطبوعا على قلبه لا محالة.

وكذلك قوله عز وجل: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين، يخادعون الله} [البقرة: 8، 9] إنما قال "يخادعون" ولم يقل: "ويخادعون" لأنه هذه المخادعة ليست شيئا غير قولهم: "آمنا"، من غير أن يكونوا مؤمنين، فهو إذن كلام أكد به كلام آخر هو في معناه، وليس شيئا سواه.

وهكذا قوله عز وجل: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون} [البقرة: 14]، وذلك لن معنى قولهم: "إنا معكم": أنا لم نؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم نترك اليهودية. وقولهم: {إنما نحن مستهزئون} خبر بهذا المعنى بعينه، لأنه لا فرق بين أن يقولوا: "إن لم نقل ما قلناه من أنا آمنا إلا استهزاء"، وبين أن يقولوا: "إن لم نخرج من دينكم وإنا معكم"، بل هما في حكم الشيء الواحد، فصار كأنهم قالوا: "إن معكم لم تفارقكم" فكما لا يكون "إنا لم نفارقكم" شيئا غير {إنا معكم}، كذلك لا يكون {إنما نحن مستهزئون} غيره، فاعرفه.

ومن الواضح البين في هذا المعنى قوله تعالى: {وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا} [لقمان: 7]، لم يأت معطوفا.

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م