تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

195 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٣٨٥ من ٦٧٠.

195

ج ١ · ص ٣٨٦

اللغة؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون قد تجدد في معنى "الحمد" و"الرب"، ومعنى "العالمين" و"الملك" و"اليوم" و"الذين"، وهكذا، وصف لم يكن قبل نزول القرآن. وهذا ما لو كان ههنا شيء أبعد من الحال وأشنع لكان إياه1.

ولا يجوز أن يكون هذا الوصف في "ترتيب الحركات والسكنات"، حتى كأنهم تحدوا إلى أن يأتوا بكلام تكون كلماته على تواليه في زنة كلمات القرآن، وحتى كأن الذي بان به: القرآن من الوصف في سبيل بينونة بحور الشعر بعضها من بعض، لأنه يخرج إلى ما تعاطه مسيلمة من الحماقة في: "إنا أعطيناك الجماهر، فصل لربك وجاهر"، "والطاحنات طحنا".

وكذلك الحكم إن زعم زاعم "أن الوصف الذي تحدوا إليه هو أن يأتوا بكلام يجعلون له مقاطع، وفواصل، كالذي تراه في القرآن"؛ لأنه أيضا ليس بأكثر من التعويل على مراعاة وزن. وإنما الفواصل في الآي كالقوافي في الشعر، وقد علمنا اقتدارهم على القوافي كيف هو، فلو لم يكن التحدي إلا إلى فصول من الكلام يكون لها أواخر أشباه القوافي، لم يعوزهم ذلك، ولم يتعذر عليهم. وقد خيل إلى بعضهم إن كان الحكاية صححية شيء من هذا، حتى وضع على ما زعموا فصول كلام أواخرها كأواخر الآي2، مثل "يعلمون" و "يؤمنون" وأشباه ذلك3.

196

ج ١ · ص ٣٨٧

ولا يجوز أن يكون الإعجاز بأن لم يلتق في حروفه ما يثقل على اللسان.

أي شيء بهر العقول من القرآن، وكلام الوليد بن المغيرة، وابن مسعود، والجاحظ:

وجملة الأمر أنه لن يعرض هذا وشبهه من الظنون لمن يعرض له إلا من سوء المعرفة بهذا الشأن، أو للخذلان، أو لشهوة الإغراب في القول. ومن هذا الذي يرضى من نفسه أن يزعم أن البرهان الذي بان لهم، والأمر الذي بهرهم، والهيبة التي ملأت صدورهم1، والروعة التي دخلت عليهم فأزعجتهم حتى قالوا: "إن له لحلاوة، وإن عليه لطولاة، وأن أسفله لمعذق، وإن أعلاه لمثمر2، إنما كان لشيء راعهم من مواقع حركاته، ومن ترتيب بينها وبين سكناته؟ أم لفواصل في أواخر آياته؟ من أين تليق هذه الصفة وهذا التشبيه بذلك؟

أم ترى ابن مسعود حين قال في صفة القرآن: "لا يتفه ولا يتشان"3، وقال: "إذا وقعت في آل حم، وقعت في روضات دمثات

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م