تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

219 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٤٢٣ من ٦٧٠.

219

ج ١ · ص ٤٢٤

عن متأمله في صحة ما قلناه1، من "التشبيه". فإنك تقول: "زيد كالأسد" أو "مثل الأسد" أو "شبيه بالأسد"، فتجد ذلك كله تشبيها غفلا ساذجا ثم تقول: "كأن زيدا الأسد"، فيكون تشبيها أيضا، إلا أنك ترى بينه وبين الأول بونا بعيدا، لأنك ترى له صورة خاصة، وتجدك قد فخمت المعنى وزدت فيه، بإن أفدت أنه من الشجاعة وشدة البطش، وأن قلبه قلب لا يخامره الذعر ولا يدخله الروع، بحيث يتوهم أنه الأسد بعينه ثم تقول: "لئن لقيته ليلقينك منه الأسد"، فتجده قد أفاد هذه المبالغة، لكن في صورة أحسن، وصفة أخص، وذلك أنك تجعله في "كأن"، يتوهم أنه الأسد، وتجعله ههنا يرى منه الأسد على القطع، فيخرج الأمر عن حد التوهم إلى حد اليقين ثم إن نظرت إلى قوله:

أإن أرعشت كفا أبيك وأصبحت ... يداك يدي ليث فإنك غالبه2

وجدته قد بدا لك في صورة أنق وأحسن ثم إن نظرت إلى قول أرطاة ابن سهية:

إن تلقني لا ترى غير بناظرة ... تنس السلاح وتعرف جبهة الأسد3

وجدته قد فضل الجميع، ورأيته قد أخرج في صورة غير تلك الصور كلها.

220

ج ١ · ص ٤٢٥

شبهة المعتزلة في قولهم "اللفظ" واستدلالهم بأن تفسير الشعر يجب أن يكون كالمفسر. ورد الشبهة:

واعلم أن من الباطل والمحال ما يعلم الإنسان بطلانه واستحالته بالرجوع إلى النفس حتى لا يشك. ثم إنه إذا أراد بيان ما يجد في نفسه والدلالة عليه، رأى المسلك إليه يغمض ويدق. وهذه الشبهة أعني قولهم: "إنه لو كان يجوز أن يكون الأمر على خلاف ما قالوه من أن الفصاحة وصف للفظ من حيث هو لفظ، لكان ينبغي أن لا يكون للبيت من الشعر فضل على تفسير المفسر"1، إلى آخره2 من ذاك. وقد علقت لذلك بالنفوس وقويت فيها، حتى إنك لا تلقى إلى أحد من المتعلقين بأمر "اللفظ" كلمة مما نحن فيه، إلا كان هذا أول كلامه، وإلا عجب وقال: "إن التفسير بيان للمفسر، فلا يجوز أن يبقى من معنى المفسر شيء لا يؤديه التفسير، ولا يأتي عليه، لأن في تجويز ذلك القول بالمحال، وهو أن لا يزال يبقى من معنى المفسر شيء لا يكون إلى العلم به سبيل. وإذا كان الأمر كذلك. ثبت أن الصحيح ما قلناه، من أنه لا يجوز أن يكون للفظ المفسر فضل من حيث المعنى على لفظ التفسير. وإذا لم يجز أن يكونه الفضل من حيث المعنى، لم يبق إلا أن يكون من حيث اللفظ نفسه".

فهذا جملة ما يمكنهم أن يقولوه في نصرة هذه الشبهة، قد استقصيته لك. وإذ قد عرفته فاسمع الجواب. وإلى الله تعالى الرغبة في التوفيق للصواب.

إعلم أن قولهم: "إن التفسير يجب أن يكون كالمفسر"، دعوى لا تصح لهم إلا من بعد أن ينكروا الذي بيناه، من أن من شأن المعاني أن تختلف.

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م