10
ج ١ · ص ٤٦
تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا1
وبيت البحترى:
وإني وإن بلغني شرف الغنى ... وأعتقت من رق المطامع أخدعي2
فإن لها في هذين المكانين ما لا يخفى من الحسن، ثم إنك تتأملها في بيت أبي تمام:
يا دهر قوم من اخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك3
فتجد لها من الثقل على النفس، ومن التبغيص والتكدير، أضعاف ما وجدت هناك من الروح والخفة، ومن الإيناس والبهجة.
ومن أعجب ذلك لفظة "الشيء"، فإنك تراها مقبولة حسنة في موضع، وضعيفة مستكرهة في موضع. وإن أردت أن تعرف ذلك، فانظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
ومن مالئ عينيه من شيء غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالذمي4
وقوله أبي حية:
ج ١ · ص ٤٧
إذا ما تقاضي المرء يوم وليلة ... تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا1
فإنك تعرف حسنها ومكانها من القبول، ثم انظر إليها فيبيت المتبني:
لو الفلك الدوار أبغضت سعيه ... لعوقه شيء من الدوران2
فإنك تراها تقل وتضول، بحسب نبلها وحسنها فيما تقدم.
وهذا باب واسع، فإنك تجد متى شئت الرجلين قد استعملا كلما بأعيانها، ثم ترى هذا قد فرع السماك3، وترى ذاك قد لصق بالحضيض، فلو كانت الكلمة إذا حسنت حسنت من حيث هي لفظ، وإذا استحقت المزية والشرف استحقت ذلك في ذاتها وعلى انفرادها، دون أن يكون السبب في ذلك حال لها مع أخواتها المجاورة لها في النظم، لما اختلف بها الحال، ولكانت غما أن تحسن أبدا، ولا تحسن أبدا.
ولا ترى قولا يضطرب على قائله حتى لا يدري كيف يعبر، وكيف يورد ويصدر، كهذا القول. بل إن أردت الحق، فإنه من جنس الشيء يجري به الرجل لسانه ويطلقه، فإذا فتش نفسه، وجدها تعلم بطلانه، وتنطوي على خلافه، ذلك لأنه مما لا يقوم بالحقيقة في اعتقاد، ولا يكون له صورة في فؤاد.