تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

10 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٤٦ من ٦٧٠.

10

ج ١ · ص ٤٧

إذا ما تقاضي المرء يوم وليلة ... تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا1

فإنك تعرف حسنها ومكانها من القبول، ثم انظر إليها فيبيت المتبني:

لو الفلك الدوار أبغضت سعيه ... لعوقه شيء من الدوران2

فإنك تراها تقل وتضول، بحسب نبلها وحسنها فيما تقدم.

وهذا باب واسع، فإنك تجد متى شئت الرجلين قد استعملا كلما بأعيانها، ثم ترى هذا قد فرع السماك3، وترى ذاك قد لصق بالحضيض، فلو كانت الكلمة إذا حسنت حسنت من حيث هي لفظ، وإذا استحقت المزية والشرف استحقت ذلك في ذاتها وعلى انفرادها، دون أن يكون السبب في ذلك حال لها مع أخواتها المجاورة لها في النظم، لما اختلف بها الحال، ولكانت غما أن تحسن أبدا، ولا تحسن أبدا.

ولا ترى قولا يضطرب على قائله حتى لا يدري كيف يعبر، وكيف يورد ويصدر، كهذا القول. بل إن أردت الحق، فإنه من جنس الشيء يجري به الرجل لسانه ويطلقه، فإذا فتش نفسه، وجدها تعلم بطلانه، وتنطوي على خلافه، ذلك لأنه مما لا يقوم بالحقيقة في اعتقاد، ولا يكون له صورة في فؤاد.

11

ج ١ · ص ٤٨

فصل- الفرق بين "حروف منظومة" و"كلم منظومة":

ومما يجب إحكامه بعقب هذا الفصل، الفرق بين قولنا: "حروف منظومة"، و "كلم منظومة".

وذلك أن "نظم الحروف" هو تواليها في النطق، وليس نظمها بمقتضى عن معنى1، ولا الناظم لها بمقتف في ذلك رسما من العقل اقتضى أن يتحرى في نظمه لها ما تحراه. فلو أن واضع اللغة كان قد قال "ربض" مكان "ضرب"، لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فساد، وأما "نظم الكلم" فليس الأمر فيه كذلك، لأنك تتفي في نظمها آثار المعاني، وترتبها على حسب ترتب المعاني في النفس2. فهو إذن نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وليس هو "النظم" الذي معناه ضم الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق. ولذلك كان عندهم نظيرا للنسخ والتأليف والصياغة والبناء والوشي والتحبير وما أشبه ذلك3، مما يوجب اعتبار الأجزاء بعضها مع بعض، حتى يكون لوضع كل حيث وضع، علة تقتضي كونه هناك، وحتى لو وضع في مكان غيره لم يصلح.

والفائدة ي معرفة هذا الفرق: أنك إذا عرفته عرفت أن ليس الغرض بنظم الكلم، أن توالت ألفاظها في النطق4 بل أن تناسقت دلالتها.

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م