تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

250 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٤٨٠ من ٦٧٠.

250

ج ١ · ص ٤٨٢

له1 لكان فيه الكفاية. وذاك أن الألفاظ أدلة على المعاني، وليس للدليل إلا أن يعلمك الشيء على ما يكون عليه، فأما أن يصير الشيء بالدليل، على صفة لم يكن عليها2، فما لا يقوم في عقل، ولا يتصور في وهم.

ومما إذا تفكر فيه العاقل أطال التعجب من أمر الناس3، ومن شدة غفلتهم قول العلماء حيث ذكروا "الأخذ" و "السرقة": "إن من أخذ معنى عاريا، فكساه لفظا من عنده كان أحق به"4، وهو كلام مشهور متداول يقرأه الصبيان في أول كتاب "عبد الرحمن"، ثم لا ترى أحدا من هؤلاء الذين لهجوا بجعل الفضيلة في "اللفظ"، يفكر في ذلك فيقول: من أين يتصور أن يكون ههنا معنى عار من لفظ يدل عليه؟ ثم من أين يعقل أن يجئ الواحد منا لمعنى من المعاني بلفظ من عنده، إن كان المراد باللفظ نطق اللسان؟

ثم هب أنه يصح له أن يفعل ذلك، فمن أين يجب إذا وضع لفظا على معنى، أن يصير أحق به من صاحبه الذي أخذه منه، إن كانوا هو لا يصنع بالمعنى شيئا، ولا يحدث فيه صفة، ولا يكسبه فضيلة؟ وإذا كان كذلك، فهل يكون

251

ج ١ · ص ٤٨٣

لكلامهم هذا وجه سوى أن يكون "اللفظ" في قولهم: "فكسناه لفظا من عنده"1، عبارة عن صورة يحدثها الشاعر أو غير الشاعر للمعنى؟

فإن قالوا: بل يكون، وهو أن يستعير للمعنى لفظا.

قيل: الشأن في أنهم قالوا: "إذا أخذ معنى عاريا فسكاه لفظا من عنده، كان أحق به"1، و "الاستعارة" عندكم مقصورة على مجرد اللفظ، ولا ترون المستعير يصنع بالمعنى شيئا، وترون أنه لا يحدث فيه مزية على وجه من الوجوه، وإذا كان كذلك، فمن أين، ليت شعري، يكون أحق به، فاعرفه.

أمثلة على ما تفعله صنعة الشاعر في الصورة، والمعنى واحد:

ثم إن أردت مثالا في ذلك، فإن من أحسن شيء فيه، ما صمع أبو تمام في بيت أبي نخيلة، وذلك أن أبا نخيلة قال في مسلمة بن عبد الملك:

أمسلم إني يا ابن كل خليفة ... ويا جبل الدنيا ويا واحد الأرض

شكرتك إن الشكر حبل من التقى ... وما كل من أوليته صالحا يقضي

وأنبهت لي ذكرى وما كان خاملا ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض2

فعمد أبو تمام إلى هذا البيت الأخير فقال:

لقد زدت أوضاحي امتدادا، ولم أكن ... بهيما ولا أرضي من الأرض مجهلا

ولكن أياد صادفتني جسامها ... أغر فأوفت بي أغر محجلا3

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م