279
ج ١ · ص ٥٣٠
يكون قاصدا أن يعلم، نعوذ بالله تعالى، أن مع الله تعالى إلها آخر؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا1، وكفى بهذا فضيحة.
وجملة الأمر، أنه ينبغي أن يقال لهم: أتشكون في أنه لا بد من أن يكون لخبر المخبر معنى يعلمه السامع علما لا يكون معه شك، ويكون ذلك معنى اللفظ وحقيقته؟
فإذا قالوا: لا نشك.
قيل لهم: فما ذلك المعنى؟
فإن قالوا: هو وجود المعنى المخبر به من المخبر عنه أو فيه، إذا كان الخبر إثباتا، وانتفاؤه عنه إذا كان نفيا لم يمكنهم أن يقولوا ذلك إلا من بعد أن يكابروا فيدعوا أنهم إذا مسعوا الرجل يقول: "خرج زيد"، علموا علما لا شك معه، وجود الخروج من زيد. وكيف يدعون ذلك، وهو يقتضي أن يكون الخبر على وفق المخبر عنه أبدا، وأنه لا يجوز فيه أن يقع على خلاف المخبر عنه، وأن يكون العقلاء قد غلطوا حين جعلوا من خاص وصفه أن يحتمل الصدق والكذب، وأن يكون الذي قالوه في أخبار الآحاد وأخبار التواتر2 من أن العلم يقع بالتواتر دون دون الآحاد سهوا منهم، ويقتضي الغنى عن المعجزة، لأنه إنما احتيج إليها لي حصل العلم يكون الخبر على وفق المخبر عنه، فإذا كان لا يكون إلا على وفق المخبر عنه، لم تقع الحاجة إلى دليل بدل على كونه كذلك، فاعرفه.
280
ج ١ · ص ٥٣١
واعلم أنه إنما لزمهم ما قلناه، من أن يكون الخبر على وفق المخبر عنه أبدا، من حيث إنه إذا كان معنى الخبر عندهم، إذا كان إثباتا، أنه لفظ موضوع ليدل على وجود المعنى المخبر به من المخبر عنه أو فيه، وجب أن يكون كذلك أبدا، وأن لا يصح أن يقال: "ضرب زيد"، إلا إذا كان الضرب قد وجد من زيد. وكذلك يجب في النفي أن لا يصح أن يقال: "ما ضرب زيد"، إلا إذا كان الضرب لم يوجد منه، لأن تجويز أن يقال: "ضرب زيد"، من غير أن يكون قد كان منه ضرب، وأنه يقال: "ما ضرب زيد، وقد كان منه ضرب، يوجب على أصلهم إخلاء اللفظ من معناه الذي وضع ليدل عليه. وذلك ما لا يشك في فساده.
ولا يلزمنا ذلك على أصلنا، لأن معنى "اللفظ" عندنا هو الحكم بوجود المخبر به من المخبر عنه أو فيه، إذا كان الخبر إثباتا، والحكم بعدمه إذا كان نفيا، واللفظ عندنا لا ينفك من ذلك لاو يخلو منه. وذلك لأن قولنا: "ضرب" و "ما ضرب"، يدل من قول الكاذب على نفس ما يدل عليه من قول الصادق، لأنا إن لم نقل ذلك، لم يخل من أن يزعم أن الكاذب يخلي اللفظ من المعنى، أو يزعم أنه يجعل للفظ معنى غير ما وضع له، وكلاهما باطل.
ومعلوم أنه لا يزال يدور في كلام العقلاء في وصف الكاذب: "أنه يثبت ما ليس بثابت، وينفي ما ليس بمنتف"، والقول بما قالوه يؤدي إلى أن يكون العقلاء قد قالوا المحال، من حيث يجب على أصلهم أن يكونوا قد قالوا: إن الكاذب يدل على وجود ما ليس بموجود، وعلى عدم ما ليس بمعدوم. وكفى بهذا تهافتا وخطلا، ودخولا في اللغو من القول.