تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

27 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٨٦ من ٦٧٠.

27

ج ١ · ص ٨٧

والتدبر في أنفس الأصباغ وفي مواقعها ومقاديرها وكيفية مزجه لها وترتيبه إياها، إلى ما لم يتهد إليه صاحبه1، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب، كذلك حال الشاعر والشاعر في توخيهما معاني النحو ووجوهه التي علمت أنها محصول "النظم".

صفة "النظم":

واعلم أن من الكلام ما أنت ترى المزية في نظمه والحسن، كالآجزاء من الصبغ تتلاحق وينضم بعضها إلى بعض حتى تكثر في العين، فأنت لذلك لا تكبر شأن صاحبه، ولا تقضي له بالحذق والاستاذية وسعة الذرع وشدة المنة2، حتى تستوفي القطعة وتأتي على عدة أبيات. وذلك ما كان من الشعر في طبقة ما أنشدتك من أبيات البحتري3 ومنه ما أنت ترى الحسن يهجم عليك منه دفعة، ويأتيك منه ما يملأ العين ضربة4 حتى تعرف من البيت الواحد مكان الرجل من الفضل، وموضعه من الحذق، وتشهد له بفضل المنة وطول الباع، وحتى تعلم، إن لم تعلم القائل، أنه من قبل شاعر فحل5، وأنه خرج من تحت يد صناع، وذلك ما إذا أنشدته وضعت فيه اليد على شيء فقلت: هذا، هذا! وما كان كذلك فهو الشعر

28

ج ١ · ص ٨٨

الشاعر1، والكلام الفاخر، والنمط العالي الشريف والذي لا تجده إلا في شعر الفحول البزل2، ثم المطبوعين الذين يلهمون القول إلهاما.

شواهد من محاسن النظم:

ثم إنك تحتاج إلى أن تستقري عدة قصائد، بل أن تفلي ديوانا من الشعر3، حتى تجمع منه عدة أبيات. وذلك ما كان مثل قول الأول، وتمثل به أبو بكر الصديق رضوان الله عليه حين أتاه كتاب خالد بالفتح في هزيمة الأعاجم:

تمنانا ليلقانا بقوم ... تخال بياض لأمهم السرابا4

فقد لاقيتنا فرأيت حربا ... عوانا تمنع الشيخ الشرابا5

أنظر إلى موضع "الفاء" في قوله:

فقد لاقيتنا فرأيت حربا

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م