62
ج ١ · ص ١٥١
العين تبدي الحب والغضا ... وتظهر الإبرام والنقضا
درة، ما أنصفتني في الهوى ... ولا رحمت الجسد المنضى
غضبى، ولا والله يا أهلها ... لا أطعم البارد أو ترضى1
يقوله في جارية كان يحبها2، وسعي به إلى أهلها فمنعوها منه.
والمقصود قوله: "غضبى"، وذلك أن التقدير "هي غضبى" أو "غضبى هي" لا محالة، ألا ترى أنك ترى النفس كيف تتفادى من إظهار هذا المحذوف3، وكيف تأنس إلى إضماره؟ وترى الملاحة كيف تذهب إن أنت رمت التكلم به؟
ومن جيد الأمثلة في هذا الباب قول الآخر، يخاطب امرأته وقد لامته على الجود:
قالت سمية: قد غويت بأن رأت ... حقا تناوب مالنا ووفود
غي لعمرك لا أزال أعوده ... ما دام مال عندنا موجود4
المعنى: "ذاك غي لا أزال أعود إليه، فدعي عنك لومي".
خلاصة في شأن ما يحذف:
وإذ عرفت هذه الجملة من حال الحذف في المبتدأ، فاعلم أن ذلك سبيله في كل شيء، فما من اسم أو فعل تجده قد حذف، ثم أصيب به موضعه، وحذف في الحال ينبغي أن يحذف فيها5، إلا وأنت تجد حذفه هناك أحسن من ذكره، وترة إضماره في النفس أولى وآنس من النطق به.
ج ١ · ص ١٥٢
وإذ قد بدأنا في الحذف بذكر المبتدأ، وهو حذف اسم، إذا لا يكون المبتدأ إلا اسما، فإن أتبع ذلك ذكر المفعول به إذا حذف خصوصا، فإن الحاجة إليه أمس، وهو بما نحن بصدده أخص، واللطائف كأنها فيه أكثر، ومما يظهر بسببه من الحسن والرونق أعجب وأظهر1.
قاعدة ضابطة في معنى حذف الفاعل والمفعول:
وههنا أصل يجب ضبطه، وهو أنم حال الفعل مع المفعول، الذي يتعدى إليه، حاله مع الفاعل. فكما أنك إذا قلت2: "ضرب زيد، فأسندت الفعل إلى الفاعل، كان غرضك من ذلك أن نثبت الضرب فعلا له، لا أن تفيد وجوب الضرب في نفسه وعلى الإطلاق. كذلك إذا عديت الفعل إلى المفعول فقلت: "ضرب زيد عمرا"، كان غرضك أن تفيد التباس الضرب الواقع من الأول بالثاني ووقوعه عليه، فقد اجتمع الفاعل والمفعول في أن عمل الفعل فيهما إنما كان من أجل أن يعلم التباس المعنى الذي اشتق منه بهما فعمل الرفع في الفاعل، ليعلم التباس الضرب به من جهة وقوعه منه والنصب في المفعول، ليعلم التباسه به من جهة وقوعه عليه. ولم يكن ذلك