Skip to content

Books to be read, not browsed

121 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 264 of 670.

121

vol. 1 · p. 265

واعلم أن السبب في أن أحالوا في أشباه هذه المحاسن التي ذكرتها لك على اللفظ، أنها ليست بأنفس المعاني، بل هي زيادات فيها وخصائص. ألا ترى أن ليست المزية التي تجدها لقولك: "كأن زيدا الأسد" على قولك: "زيد كالأسد"، لشيء خارج عن التشبيه الذي هو أصل المعنى1، وإنما هو زيادة فيه وفي حكم الخصوصية في الشكل، نحو أن يصاغ خاتم على وجه، وآخر على وجه آخر، تجمعهما صورة الخاتم، ويفترقان بخاصة وشيء يعلم، إلا أنه لا يعلم منفردا.

ولما كان الأمر كذلك، لم يمكنهم أن يطلقوا اسم المعاني على هذه الخصائص، إذا كان لا يفترق الحال حينئذ بين أصل المعنى، وبين ما هو زيادة في المعنى وكيفية له وخصوصية فيه، فلما امتنع ذلك توصلوا إلى الدلالة عليها بأن وصفوا اللفظ في ذلك بأوصاف يعلم أنها لا تكون أوصافا له من حيث هو لفظ، كنحو وصفهم له بأنه لفظ شريف، وأنه قد زان المعنى، وأن له ديباجة، وأن عليه طلاوة، وأن المعنى منه في مثل الوشي، وأنه عليه كالحلي، إلى أشباه ذلك مما يعلم ضرورة أنه لا يعنى بمثله الصوت والحرف. ثم إنه لما جرت به العادة واستمر عليه العرف وصار الناس يقولون اللفظ واللفظ لزم من ذلك بأنفس أقوام بابا من الفساد2، وخامرهم منه شيء لست أحسن وصفه.

vol. 1 · p. 266

فصل: بيان في استعمال "اللفظ"، والمراد به دلالة المعنى على المعنى:

ومن الصفات التي تجدهم يجرونها على "اللفظ"، ثم لا تعترضك شبهة ولا يكون منك توقف في أنها ليست له، ولكن لمعناه، قولهم: "لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، ولا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك" وقولهم: "يدخل في الأذن بلا إذن"، فهذا مما لا يشك العاقل في أنه يرجع إلى دلالة المعنى على المعنى، وأنه لا يتصور أن يراد به دلالة اللفظ على معناه الذي وضع له في اللغة.

ذاك لأنه لا يخلو السامع من أن يكون عالما باللغة وبمعاني الألفاظ التي يسمعها، أو يكون جاهلا بذلك. فإن كان عالما لم يتصور أن يتفاوت حال الألفاظ معه، فيكون معنى لفظ أسرع إلى قلبه من معنى لفظ آخر وإن كان جاهلا كان ذلك في وصفه أبعد.

وجملة الأمر أنه إنما يتصور أن يكون لمعنى أسرع فهما منه لمعنى آخر، إذا كان ذلك مما يدرك بالفكر، وإذا كان مما يتجدد له العلم به عند سمعه للكلام. وذلك محال في دلالات الألفاظ اللغوية، لأن طريق معرفتها التوقيف، والتقديم بالتعريف.

وإذا كان ذلك كذلك، علم علم الضرورة أن مصرف ذلك إلى دلالات المعاني على المعاني، وأنهم أرادوا أن من شرط البلاغة أنيكون المعنى الأول الذي تجعله دليلا على المعنى الثاني ووسيطا بينك وبينه، متمكنا في دلالته، مستقلا بوساطته، يسفر بينك وبينه أحسن سفارة، ويشير لك إليه

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE