تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

121 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٢٦٧ من ٦٧٠.

121

ج ١ · ص ٢٦٨

بدأ فدل بسكب الدموع على ما يوجبه الفراق من الحزن والكمد، فأحسن وأصاب، لأن من شأن البكاء أبدا أن يكون أمارة للحزن، وأن يجعل دلالة عليه وكناية عنه، كقولهم: "أبكاني وأضحكني"، على معنى "ساءني وسرني"، وكما قال:

أبكاني الدهر، ويا ربما ... أضحكني الدهر بما يرضي1

ثم ساق هذا القياس إلى نقيضه، فالتمس أن يدل على ما يوجبه دوام التلاقي من السرور بقوله: "لتجمدا"، وظن أن الجمود يبلغ له في إفادة المسرة والسلامة من الحزن ونظر إلى أن الجمود خلو العين من البكاء وانتفاء الدموع عنها، وأنه إذا قال "لتجمدا"، فكأنه قال: "أحزن اليوم لئلا أحزن غدا، وتبكي عيناي جهدهما لئلا تبكيا أبدا" وغلط فيما ظن، وذاك أن الجمود هو أن لا تبكي العين، ويستراب في أن لا تبكي2، ولذلك لا ترى أحدا يذكر عينه بالجمود إلا وهو يشكوها ويذمها وينسبها إلى البخل، ويعد امتناعها من البكاء تركا لمعونة صاحبها على ما به من الهم، ألا ترى إلى قوله:

ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود3

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م