150
ج ١ · ص ٣١٧
قيل: هو وإن جاء ههنا، فإنه لا يكاد يوجد مع الجملة من الشرط والجزاء، بل تراه لا يجيء إلا "بإن" على أنهم قد أجازوا {قل هو الله أحد}، أن لا يكون الضمير للأمر.
ومن لطيف ما جاء في هذا الباب ونادره، ما تجده في آخر هذه الأبيات، أنشدها الجاحظ لبعض الحجازيين:
إذا طمع يوما عراني قريته ... كتائب بأس كرها وطرادها
أكد ثمادي والمياه كثيرة ... أعالج منها حفرها واكتدادها
وأرضى بها من بحر آخر، إنه ... هو الري أن ترضى النفوس ثمادها1
المقصود قوله: "إنه هو الري"، وذلك أن الهاء في "إنه" تحتمل أمرين:
أحدهما: أن تكون ضمير الأمر، ويكون قوله: "هو" ضمير: "أن ترضى"، وقد أضمره قبل الذكر على شريطة التفسير. الأصل: "إن الأمر، أن ترضى النفوس ثمادها، الري"، ثم أضمر قبل الذكر كما أضمرت "الأبصار" في "فإنها لا تعمى الأبصار" على مذهب أبي الحسن، ثم أتى بالمضمر مصرحا به في آخر الكلام2، فعلم بذلك أن الضمير السابق له، وأنه المراد به.
151
ج ١ · ص ٣١٨
والثاني: أن تكون الهاء في "إنه" ضمير "أنى ترضى" قبل الذكر، ويكون "هو" فصلا، ويكون أصل الكلام: "إن أن ترضى النفوس ثمادها هو الري" ثم أضمر على شريطة التفسير.
وأي الأمرين كان، فإنه لا بد فيه من "إن"، ولا سبيل إلى إسقاطها، لأنك إن أسقطتها أفضى ذلك بك إلى شيء شنيع، وهو أن تقول: "وأرضى بها من بحر آخر هو الرى أن ترضى النفوس ثمادها".
"إن" تربط الجملة بما قبلها:
هذا، وفي "إن" هذه شيء آخر يوجب الحاجة إليها، وهو أنها تتولى من ربط الجملة بما قبلها نحوا مما ذكرت لك في بيت بشار1. ألا ترى أنك لو أسقطت "إن" والضميرين معا، واقتصرت على ذكر ما يبقى من الكلام، لم تقله إلا "بالفاء" كقولك: "وأرضى بها من بحر آخر، فالري أن ترضى النفوس ثمادها".
فلو أن الفيلسوف قد كان تتبع هذه المواضع2، لما ظن الذي ظن. هذا، وإذا كان خلف الأحمر وهو القدوة، ومن يؤخذ عنه، ومن هو بحيث يقول الشعر فينحله الفحول الجاهليين فيخفى ذلك له، ويجوز أن يشتبه ما نحن فيه عليه حتى يقع له أن ينتقد على بشار3، فلا غرو أن تدخل الشبهة في ذلك على الكندي.