213
ج ١ · ص ٤١٤
فقد أراك ذلك، إن لم تكابر عقلك، أن "النظم" يكون في معاني الكلم دون ألفاظها، وأن نظمها هو توخي معاني النحو فيها. وذلك أنه إذا ثبت الاتحاد، وثبت أنه في المعاني، فينبغي أن تنظر إلى الذي به انحدت المعاني في بيت بشار. وإذا نظرنا لم نجدها اتحدت إلا بأن جعل "مثار النقع" اسم "كأن"، وجعل الظرف الذي هو "فوق رءوسنا" معمولا "لمثار" ومعلقا به، وأشرك "أالأسياف" في "كأن" بعطفه لها على "مثار"، ثم بأن قال: "ليل تهاوى كواكبه"، فأتى بالليل نكرة، وجعل جملة قوله: "تهاوى كواكبه"، خبرا "لكان".
فانظر هل ترى شيئا كان الاتحاد به غير ما عددناه؟ وهل تعرف له موجبا سواه؟ فلولا الإخلاد إلى الهوينا، وترك النظر وغطاء ألقي على عيون أقوام، لكان ينبغي أن يكون في هذا وحده الكفاية وما فوق الكفاية. ونسأل الله تعالى التوفيق.
آفة الذين لهجوا بأمر "اللفظ" من المعتزلة وبيان فساد أقوالهم:
واعلم أن الذي هو آفة هؤلاء الذين لهجوا بالأباطيل في أمر "اللفظ" أنهم قوم قد أسلموا أنفسهم إلى التخيل، وألقوا مفادتهم إلى الأوهام، حتى عدلت بهم عن الصواب كل معدل، ودخلت بهم من فحش الغلط في كل مدخل، وتعسفت بهم في كل مجهل، وجعلتهم يرتكبون في نصرة رأيهم الفاسد القول بكل محال، ويقتحمون في كل جهالة، حتى إنك لو قلت لهم: "إنه لا يتأتى للناظم نظمه إلا بالفكر والروية، فإذا جعلتم "النظم" في الألفاظ، لزمكم من ذلك أن تجعلوا فكر الإنسان إذا هو فكر في نظم الكلام، فكرا في الألفاظ التي تريد أن ينطق بها دون المعاني1 لم يبالوا أن