تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

246 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٤٧٠ من ٦٧٠.

246

ج ١ · ص ٤٧١

فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل1

والعجب من أنهم لم ينظروا فيعلموا أنه لو كان منشد الشعر "محتذيا"2، لكان يكون قائل شعر، كما أن الذي يحذو النعل بالنعل يكون قاطع نعل.

وهذا تقرير يصلح لأن يحفظ للمناظرة

مناقشة "الاحتذاء" و"النسق" في إعجاز القرآن:

ينبغي أن يقال لمن يزعم أن المنشدإذا أنشد شعر آمرئ القيس، كان قد أتى بمثله على سبيل "الاحتذاء": أخبرنا عنك؟ لماذا زعمت أن المنشد قد أتى بمثل ما قاله امرئ القيس؟ ألأنه نطق بأنفس الألفاظ التي نطق بها، أم لأنه راعى "النسق" الذي راعاه في النطق بها؟

فإن قلت: "إن ذلك لأنه نطق بأنفس الألفاظ التي نطق بها"، أحلت، لأنه إنما يصح أن يقال في الثاين إنه أتى بمثل ما أتى به الأول، إذا كان الأول قد سبق إلى شيء فأحدثه ابتداء، وذلك في الألفاظ محجال، إذ ليس يمكن أن يقال: إنه لم ينطق بهذه الألفاظ التي هي في قوله:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

قبل امرئ القيس أحد.

ج ١ · ص ٤٧٢

وإن قلت: إن ذلك لأنه قد راعى في نطقه بهذه الألفاظ "النسق" الذي راعاه امرؤ القس.

قيل: إن كنت لهذا قضيت في المنشد أنه قد أتى بمثل شعره، فأخبرنا عنك؟ إذا قلت: "إن التحدي وقع في القرآن إلى أن يؤتى بمثله على جهة الابتداء"1، ما تعني به؟ أتعني أنه يأتي في ألفاظ غير ألفاظ القرآن، بمثل الترتيب والنسق الذي تراه في ألفاظ القرآن.

فإن قال: ذلك أعني.

قيل له: أعلمت أنه لا يكون الإتيان بالأشياء بعضها في أثر بعض على التوالي نسقا وترتيبا، حتى تكون الأشياء مختلفة في أنفسها، ثم يكون للذي يجيء بها مضموما بعضها إلى بعض، غرض فيها ومقصود، لا يتم ذلك الغرض وذاك المقصود إبلا بأن يتخير لها مواضع، فيجعل هذا أولا، وذاك ثانيصا؟ فإن هذا ما لا شبهة فيه على عاقل. وإذا كان الأمر كذلك، لزمك أن تبين الغرض الذي اقتضى أن تكون ألفاظ القرآن منسوقة النسق الذي تراه.

ولا مخلص له من هذه المطالبة، لأنه إذا أبى أن يكون المقتصى والموجب للذي تراه من النسق، المعاني2 وجعله قد وجب لأمر يرجع

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م