263
ج ١ · ص ٥٠١
وحكى المرزباني قال: "حدثني عمرو الوراق قال: رأيت أبا نواس ينشد قصيدته التي أولها:
أيها المنتاب عن عفره1
فسحدته، فلما بلغ إلى قوله:
تتأيى الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره
قلت له: ما تركت للنابغة شيئا حيث يقول: "إذا ما غدا بالجيش"، البيتين، فقال: اسكت، فلئن كان سبق فما أسأت الاتباع".
وهذا الكلام من أبينواس دليل بين في أن المعنى ينقل من صورة إلى صورة. ذاك لأنه لو كان لا يكون قد صنع بالمعنى شيئا، لكان قوله: "فما أسأت الاتباع" محالا، لأنه على كل حال لم يتبعه في اللفظ. ثم إن الأمر ظاهر لمن نظر في أنه قد نقل المعنى عن صورته التي هو عليها في شعر النابغة إلى صورة أخرى. وذلك أن ههنا معنيين:
أحدهما: أصل، وهو: علم الطير بأن الممدوح إذا غزا عدوا كان الظفر له، وكان هو الغالب.
والآخر فرع، وهو: طمع الطير في أن تتسع عليها المطاعم من لحوم القتلى.
264
ج ١ · ص ٥٠٢
وقد عمد النابغة إلى "الأصل"، الذي هو علم الطير بأن الممدوح يكون الغالب، فذكره صريحا، وكشف عن وجهه، واعتمد في "الفرع" الذي هو طمعها في لحوم القتلى، وأنها لذلك تحلق فوقه على دلالة الفحوى.
وعكس أبو نواس القصة، فذكر "الفرع"الذي هو طمعها في لحوم القتلى صريحا، فقال كما ترى:
ثقة بالشبع من جزره
وعول في "الأصل"، الذي هو علمها بأن الظفر يكون للمدوح، على الفحوى. ودلالة الفحوى على علمها أن الظفر يكون للمدوح، هي في أن قال: "من جزره"، وهي لا تثق بأن شبعها يكون في جزر الممدوح، حتى تعلم أن الظفر يكون له.
أفيكون شيء أظهر من هذا في النقل عن صورة إلى صورة؟
أرجع إلى النسق ومن ذلك قول أبي العتاهية:
شيم فتحت من المدح ما قد ... كان مستغلقا على المداح1
مع قول أبي تمام:
نظمت له خرز المديح مواهب ... ينفثن في عقد اللسان المفحم
وقول أبي وجزة:
أتاك المجد من هنا وهنا ... وكنت له بمجتمع السيول2