…
ج ٢ · ص ٦٣١
النسخ وحقيقته، ومتمكن فيه، لا يتجاوز شروطه في قبول قضاياه، ذودا عن الحق ودفاعا عن القرآن العظيم.
ليست آية السيف - كما يظن البعض - سيفا صارما يقضي بها على مئات الآيات القرآنية الواردة فيها الصفح والإعراض عن المشركين والعفو عنهم فيجعل تلك الآيات بين دفتي القرآن رسما بلا عمل، كما قضى بها على أساطين الشرك والضلال يوم نزلت، بل إنما هي آيات محكمات نزلت ليتأسى بها الدعاة ويعملوا بها في توجيه دعوتهم بالحكمة والبصيرة عبر القرون تبعا للبيئة والظروف، فيعرض الداعي عن سفه الكفار أو الجهلة، وطلباتهم واختراعاتهم تارة، ويصبر على أذاهم حتى يتمكن من الدخول إلى قلوبهم إن أمكن أو يجاهدهم بالسيف حتى يفتح البلاد وينقذ العباد، وربما اكتفى بالإبلاغ والإنذار حسبما تقتضيه المصلحة.
فهي إذا آيات محكمات يعمل بها من يوم نزولها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
كون الآية منسوخة أو غير منسوخة ليس أمرا اجتهاديا، يتصرف فيه الإنسان كيف يشاء وأصل كل آية الإحكام فيحتاج للقول بنسخها نزول أمر آخر من الله أو ورود أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحا، لذا رأينا، علماء النسخ لا يعتبرون القول بالنسخ، وحتى ولو ثبتت الرواية عن الصحابة والسلف الصالح، إلا بعد أن يقابلوه بالشروط المتفق عليها
ج ٢ · ص ٦٣٢
لديهم، المنبثقة من كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم, فإذا توافرت الشروط وصحت الرواية عن السلف قبلوها وقالوا به، وإلا أولوا كلامهم بمعنى المصطلح المعروف عندهم الثابت عنهم، وهو إطلاق النسخ على الاستثناء والتخصيص والتقييد وما إلى ذلك أو يؤولون معنى نسخت هذه الآية بهذه الآية، أي: نزلت بنسختها.
وكما امتاز ابن الجوزي عن غيره من مؤلفي النسخ بسرد الأسانيد المتعددة الطرق، كذلك امتاز عنهم بتبويب السور دون ذكر عدد الآيات في بدايتها. خلاف ما فعله السابقون له.
بعد الإيجاز والاقتصار وترك ما لا يلتفت إليه من أقوال واهية نرى ابن الجوزي أكثر المؤلفين إيرادا لوقائع النسخ مع أنه أقلهم قبولا لها.
فقد بلغ عدد القضايا التي قيل فيها بالنسخ لدى السابقين لابن الجوزي كالتالي:
عند ابن حزم الأنصاري ... 214 قضية
وعند أبي جعفر النحاس ... 134 قضية
وعند ابن سلامة ... 213 قضية
وعند مكي بن أبي طالب ... 200 قضية
وعند عبد القاهر البغدادي ... 66 قضية
وعند ابن بركات ... 210 قضية