[قراءة عاصم من روايتي أبي بكر شعبة وحفص]
ج ١ · ص ٢١١
أن ذلك مقصور على ما يلزم المكلف قراءته في المفترضات، فإن تجويد اللفظ وتقويم الحروف وحسن الأداء واجب فيه فحسب، وذهب الآخرون إلى أن ذلك واجب على كل من قرأ شيئا من القرآن كيفما كان ; لأنه لا رخصة في تغيير اللفظ بالقرآن وتعويجه واتخاذ اللحن سبيلا إليه إلا عند الضرورة قال الله تعالى قرءانا عربيا غير ذي عوج، انتهى. وهذا الخلاف على الوجه الذي ذكره غريب، والمذهب الثاني هو الصحيح، بل الصواب على ما قدمناه، وكذا ذكره الإمام الحجة أبو الفضل الرازي في تجويده وصوب ما صوبناه والله أعلم.
فالتجويد هو حلية التلاوة، وزينة القراءة، وهو إعطاء الحروف حقوقها وترتيبها مراتبها، ورد الحرف إلى مخرجه وأصله، وإلحاقه بنظيره وتصحيح لفظه وتلطيف النطق به على حال صيغته، وكمال هيئته ; من غير إسراف ولا تعسف ولا إفراط ولا تكلف، وإلى ذلك أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد، يعني عبد الله بن مسعود، وكان - رضي الله عنه - قد أعطي حظا عظيما في تجويد القرآن وتحقيقه وترتيله كما أنزله الله تعالى، وناهيك برجل أحب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يسمع القرآن منه ولما قرأ أبكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما ثبت في الصحيحين، وروينا بسند صحيح عن أبي عثمان النهدي قال: صلى بنا ابن مسعود المغرب ب " قل هو الله أحد "، ووالله لوددت أنه قرأ بسورة البقرة من حسن صوته وترتيله.
(قلت) : وهذه سنة الله - تبارك وتعالى -، فمن يقرأ القرآن مجودا مصححا كما أنزل تلتذ الأسماع بتلاوته، وتخشع القلوب عند قراءته، حتى يكاد أن يسلب العقول ويأخذ الألباب ; سر من أسرار الله تعالى يودعه من يشاء من خلقه، ولقد أدركنا من شيوخنا من لم يكن له حسن صوت ولا معرفة بالألحان إلا أنه كان جيد الأداء قيما باللفظ، فكان إذا قرأ أطرب المسامع، وأخذ من القلوب بالمجامع، وكان الخلق يزدحمون عليه، ويجتمعون على الاستماع إليه، أمم من الخواص والعوام، يشترك في ذلك من يعرف العربي ومن لا يعرفه من سائر الأنام