سورة البقرة
ج ١ · ص ١٦٤
القسم، وعلى حذف أن كما وصفنا في قوله: (لا تعبدون) ومثل حذف أن قول طرفة:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى. . . وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
وواحد الدماء دم - يا هذا - مخفف، وأصله دمى في قول أكثر
النحويين، ودليل من قال إن أصله دمي قول الشاعر:
فلو أنا على حجر ذبحنا. . . جرى الدميان بالخبر اليقين
وقال قوم أصله دمي إلا إنه لما حذف ورد إليه ما حذف منه حركت
الميم لتدل الحركة على أنه استعمل محذوفا.
وقوله عز وجل: (ولا تخرجون أنفسكم من دياركم).
عطف على لا تسفكون دماءكم.
وقوله: (ثم أقررتم)، أي اعترفتم بأن هذا أخذ عليكم في العهد وأخذ على آبائكم، وأنتم أيها الباقون المخاطبون تشهدون أن هذا حق.
* * *
ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون (85)
(ثم أنتم هؤلاء): الخطاب وقع لليهود من بني قريظة وبني النضير.
لأنهم نكثوا، فقتل بعضهم بعضا، وأخرج بعضهم بعضا من ديارهم وهذا
نقض عهدهم
ج ١ · ص ١٦٥
وقوله عز وجل: (تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان).
قرئت بالتخفيف والتشديد، (تظاهرون) و (تظاهرون) فمن قرأ بالتشديد
فالأصل فيه تتظاهرون فأدغم التاء في الظاء لقرب - المخرجين، ومن قرأ
بالتخفيف فالأصل فيه أيضا تتظاهرون فحذفت التاء الثانية لاجتماع تاءين.
وتفسير (تظاهرون) تتعاونون، يقال قد ظاهر فلان فلانا إذا عاونه منه قوله.
(وكان الكافر على ربه ظهيرا)، أي معينا.
* * *
وقوله عز وجل: (بالإثم والعدوان).
العدوان الإفراط في الظلم؛ ويقال عدا فلان في ظلمه عدوا وعدوا
وعدوانا، وعداء - هذا كله معناه المجاوزة في الظلم.
وقوله عز وجل: (ولا تعدوا في السبت) إنما هو من هذا، أي لا تظلموا فيه
وقوله عز وجل: (وإن يأتوكم أسارى تفادوهم).
القراءة في هذا على وجوه: أسرى تفدوهم. وأسرى تفادوهم، وأسارى
تفادوهم، ويجوز " أسارى " ولا أعلم أحد قرأ بها، وأصل الجمع فعالى. أعلم الله مناقضتهم في كتابه وأنه قد حرم عليهم قتلهم وإخراجهم من ديارهم، وأنهم يفادونهم إذا أسروا ويقتلونهم ويخرجونهم من ديارهم، فوبخهم فقال: (فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا).
يعني ما نال بني قريظة وبني النضير، لأن بني النضير أجلوا إلى الشام