تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

سورة البقرة — معاني القرآن وإعرابه

من معاني القرآن وإعرابه لـإبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج — الورقة ١٤٤ من ٢٬١٤٨.

سورة البقرة

ج ١ · ص ١٨٢

ما كانت تتلوه، والذي كانت الشياطين تلته في ملك سليمان كتاب من

السحر فلبهت اليهود وكذبهم ادعوا أن هذا السحر أخذوه عن سليمان وأنه اسم الله الأعظم، يتكسبون بذلك، فأعلم الله - عز وجل - أنهم رفضوا كتابه واتبعوا السحر، ومعنى على (ملك سليمان)، على عهد ملك سليمان

(عليهم) فبرأ الله - عز وجل - سليمان من السحر، وأظهر محمدا - صلى الله عليه وسلم - على كذبهم

وقال: (وما كفر سليمان).

لأن الله جعل الإتيان من سليمان بالسحر كفرا فبرأه منه، وأعلم أن الشياطين كفروا فقال: (ولكن الشياطين كفروا)

(يعلمون الناس السحر)

فمن شدد (لكن) نصب الشياطين، ومن خفف رفع

فقال: (ولكن الشياطين كفروا) وقد قرئ بهما جميعا.

وقوله عز وجل: (يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين).

وقد قريء على الملكين، و (الملكين) أثبت في الرواية والتفسير

جميعا، المعنى يعلمون الناس السحر ويعلمون ما أنزل على الملكين فموضع

(ما) نصب، نسق على السحر، وجائز أن يكون واتبعوا ما تتلو الشياطين واتبعوا ما أنزل على الملكين، فتكون ما - الثانية عطفا على الأولى.

وقوله: (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر).

فيه غير قول: أحدها - وهو أثبتها أن الملكين كانا يعلمان الناس

السحر. وعلمت، وأعلمت جميعا في اللغة بمعنى واحد. (كانا يعلمان) نبأ

السحر ويأمران باجتنابه - وفي ذلك حكمة لأن سائلا لو سأل: ما الزنا وما

ج ١ · ص ١٨٣

القذف لوجب أن يوقف ويعلم أنه حرام، فكذلك مجاز إعلام الملكين الناس

وأمرهما باجتنابه بعد الإعلام يدل على ما وصفنا، فهذا مستقيم بين، ولا

يكون على هذا التأويل تعلم السحر كفرا، إنما يكون العمل به كفرا، كما أن من عرف الزنا لم يأثم بأنه عرفه، وإنما يأثم بالعمل به.

وفيه قول آخر، جائز أن يكون الله عز وجل امتحن بالملكين الناس في ذلك الوقت، وجعل المحنة في الكفر والإيمان أن يقبل القابل تعلم السحر، فيكون بتعلمه كافرا، وبترك تعلمه مؤمنا، لأن السحر قد كان كثر وكان في كل أمة، والدليل على ذلك أن فرعون فزع في أمر موسى - صلى الله عليه وسلم - إلى السحر - فقال: (ائتوني بكل ساحر عليم)

وهذا ممكن أن يمتحن الله به كما امتحن بالنهر في قوله

(إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده).

وقد قيل إن السحر ما أنزل على الملكين، ولا أمرا به ولا أتى به

سليمان عليه السلام. فقال قوم: (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين)، فيكون " ما " جحدا، ويكون هاروت وماروت من صفة الشياطين، على تأويل هؤلاء، كان التأويل عندهم على مذهب هؤلاء: كان الشياطين هاروت وماروت، ويكون معنى قولهما على مذهب هؤلاء (إنما نحن فتنة فلا تكفر) كقول الغاوي والخليع: أنا في ضلال فلا ترد ما أنا فيه.

فهذه ثلاثة أوجه، والوجهان الأولان أشبه بالتأويل وأشبه بالحق عند كثير

من أهل اللغة، والقول الثالث له وجه، إلا أن الحديث وما جاء في قصة

الملكين أشبه وأولى أن يؤخذ به

ت. عبد الجليل عبده شلبي — عالم الكتب - بيروت — الأولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م