سورة البقرة
ج ١ · ص ٢٣٣
اجتنابهما، لأن البيت الحرام والمشاعر طهرت بالإسلام من الأوثان وغيرها.
فأعملم الله عز وجل أن هذين من شعائره وأنه لا جناح في الطواف بينهما وأن من تطوع بذلك فالله شاكر عليم.
والشكر من الله عز وجل المجازاة والثناء الجميل، والحج والعمرة يكونان
فرضا وتطوعا - والطواف بالبيت مجراه مجرى الصلاة إلا أنه يطوف بالبيت الحاج والمعتمر، وغير الحاج والمعتمر، ومعنى قولهم حجحت في اللغة قصدت، وكل قاصد شيئا فقد حجه، وكذلك كل قاصد شيئا فقد اعتمره، قال الشاعر:
يحج مأمومة في قعرها لجف. . . قاست الطبيب قذاها كالمغاريد
وقال الشاعر في قوله اعتمر أي قصد:
لقد سما ابن معمر حين اعتمر. . . مغزى بعيدا من بعيد وضبر
* * *
وقوله عز وجل: (فلا جناح عليه أن يطوف بهما).
أي لا إثم عليه، والجناح - أخذ من جنح إذا مال وعدل عن القصد وأصل
ذلك من جناح الطائر، و (أن يطوف بهما) فيه غير وجه: يجوز أن يطوف وأن يطوف، وأن يطوف بهما، فمن قرأ أن يطوف بهما أراد أن يتطوف فأدمغت التاء في الطاء لقرب المخرجين، ومن قرأ أن يطوف بهما فهو من طوف إذا أكثر التطواف. . .
وفي قوله عز وجل: (ومن تطوع خيرا): (وجهان).
إن شئت قلت (ومن تطوع خيرا) على لفظ المضى ومعناه الاستقبال لأن
ج ١ · ص ٢٣٤
الكلام شرط وجزاء فلفظ الماضي فيهءيؤول إلى معنى الاستقبال.
ومن قرأ يطوع - فالأصل يتطوع فأدغمت التاء في الطاء.
ولست تدغم حرفا من حرف إلا قلبته إلى لفظ المدغم فيه.
وقوله عز وجل: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (159)
هذا إخبار عن علماء إليهود الذين كتموا ما علموه من صحة أمر
النبي - صلى الله عليه وسلم -
قوله: (من بعد ما بيناه للناس في الكتاب) يعني به القرآن.
ومعنى (ويلعنهم اللاعنون).
فيه غير قول، أما ما يروى عن ابن عباس فقال: (اللاعنون) كل شيء في
الأرض إلا الثقلين، ويروى عن ابن مسعود أنه قال (اللاعنون): الاثنان إذا
تلاعنا لحقت اللعنة بمستحقها منهما، فإن لم يستحقها واحد منهما رجعت على إليهود، وقيل (اللاعنون) هم المؤمنون، فكل من آمن بالله من الإنس والجن والملائكة فهم - اللاعنون لليهود وجميع الكفرة فهذا ما روي في قوله (اللاعنون) والله عز وجل أعلم.
* * *
وقوله عز وجل: (إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم (160)
(الذين) في موضع نصب على الاستثناء، والمعنى أن من تاب بعد هذا وتبين
منهم أن ما أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - حق، قبل الله توبته. فأعلم الله عز وجل: أنه يقبل التوبة ويرحم ويغفر الذنب الذي لا غاية بعده.
* * *
وقوله عز وجل: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (161)