سورة البقرة
ج ١ · ص ٦٦
قال المعنى إنني أنا هذا.
وقال غيرهما من النحويين: إن معناه القرآن
ذلك الكتاب الذي وعدوا به على لسان موسى وعيسى - صلى الله عليهما وسلم -
ودليل ذلك قوله تعالى: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به)
وكذلك قوله: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون (146).
فالمعنى هذا ذلك الكتاب.
ويجوز أن يكون قوله " (الم ذلك الكتاب) فيقال " ذلك " للشيء الذي
قد جرى ذكره، فإن شئت قلت فيه " هذا "
وإن شئت قلت فيه " ذلك "، كقولك
انفقت ثلاثة وثلاثة فذلك ستة وإن شئت قلت هذا ستة.
أو كقوله عز وجل في قصة فرعون: (فحشر فنادى (23) فقال أنا ربكم الأعلى (24) فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (25).
ثم قال بعد ذلك: (إن في ذلك لعبرة لمن يخشى (26).
وقال في موضع آخر: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون (105)
ثم قال: (إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (106).
وقال عز وجل (المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق) فقال (ذلك) فجائز - أن المعنى: تلك علامات الكتاب، أي القرآن متكلم به بحروف العرب التي نعقلها على ما وصفنا في شرح حروف الهجاء.
وموضع (ذلك) رفع لأنه خبر ابتداء على أقول، من قال هذا القرآن ذلك
ج ١ · ص ٦٧
الكتاب. والكتاب رفع يسميه النحويون عطف البيان نحو قولك:
هذا الرجل أخوك فالرجل عطف البيان أي يبين من الذي أشرت إليه، والاسم من ذلك " ذا " والكاف زيدت للمخاطبة ولاحظ لها في الإعراب
قال سيبويه: لو كان لها حظ في الإعراب لقلت: " ذاك نفسه زيد، وهذا خطأ - لا يجوز إلا (هذاك نفسه زيد).
(ولذلك " ذانك " يشهد أن الكاف لا موضع لها. لو كان لها موضع
لكان جرا بالإضافة، والنون لا تدخل مع الإضافة).
واللام تزاد مع ذلك للتوكيد، أعني توكيد الاسم لأنها إذا زيدت
أسقطت معها " ها). تقول: ذلك الحق وذاك الحق، وها ذاك الحق.
ويقبح هذلك الحق لأن اللام قد أكدت معنى الإشارة.
وكسرت اللام للالتقاء الساكنين، أعني الألف من ذا واللام التي بعدها، وكان ينبغي أن تكون ساكنة ولكنها كسرت لما قلناه.
وكذلك يجب أن يكون موضع ذلك رفعا فيمن جعل ذلك خبرا عن (الم).
* * *
وقوله عز وجل: (لا ريب فيه)
معناه لا شك فيه تقول: رابني فلان إذا علمت الريبة فيه وأرابني إذا
أوهمني الريبة قال الشاعر.