سورة النساء
ج ٢ · ص ١١٢
وإن أتاه خليل يوم مسغبة. . . يقول لا غائب مالي ولا حرم
وجاء في التفسير أن إبراهيم كان يضيف الضيفان ويطعم المساكين
الطعام، وأصاب الناس جدب فبعث إلى خليل له كان بمصر يمتار منه.
فقال ذلك الخليل لنفسه: لو كان إبراهيم إنما يريد الميرة لنفسه لوجهت إليه
بها، ولكنه يريدها للناس فرجع غلمان إبراهيم بغير ميرة، فاجتازوا ببطحاء لينة فأخذوا من رمل كان فيها وجعلوه في أوعيتهم استحياء من الناس أن يرجعوا بغير شيء، فلما رآهم عليه السلام، سألهم عن الخبر فأعلموه، فحملته عينه فنام مهموما، وانتبهت امرأته وقد بصرت بالأوعية مملوءة، فأمرت بأن يخرج منها ويخبز فأخرج منها طعام في غاية الحسن فاختبز، وانتبه إبراهيم وشئم رائحة الطعام، فقال: من أين هذا؟
فقالت امراته من عد خليلك المصري.
فقال إبراهيم هذا من عند خليلي الله عز وجل.
فهذا ما روي في التفسير وهو من آيات الأنبياء عليهم السلام غير
منكر. والذي فسرنا من الاشتقاق لا يخالف هذا.
والخلة الصداقة، والخلة الحاجة.
فأما معنى الحاجة فإنه الاختلال الذي يلحق الإنسان فيما يحتاج إليه.
وأما الخلة الصداقة فمعناها إنه يسد كل محب خلل صاحبه في المودة وفي
الحاجة إليه، والخلل كل فرجة تقع في شيء، والخلال الذي يتخلل به.
وإنما سمي خلالا لأنه، يتبع به الخلل بين الأسنان.
وقول الشاعر:
ج ٢ · ص ١١٣
ونظرن من خلل الستور بأعين. . . مرضى مخالطها السقام صحاح
فإن معناه نظرن من الفرج التي تقع في الستور.
وقوله القائل: " لك خلة من خلال " تأويله أني أخلى لك من رأيي أو
مما عندي عن خلة من خلال.
وتأويل أخلي إنما هو أخلل، وجائز أن يكون
أخلي من الخلوة، والخلوة والخلل يرجعان إلى معنى، والخل الطريق في
الرمل معناه أنه انفرجت فيه فرجة فصارت طريقا.
والخل الذي يؤكل إنما سمي خلا لأنه اختل منه طعم الحلاوة.
* * *
وقوله: (ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا (126)
أي إن إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا هو عبد الله، وهو له وكل ما في
السماوات والأرض.
* * *
وقوله: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما (127)
(ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم)
موضع " ما " رفع.
المعنى الله يفتيكم فيهن، وما يتلى عليكم في الكتاب.
أيضا يفتيكم فيهن. ويجوز أن يكون " ما " في موضع جر، وهو بعيد جدا، لأن الظاهر لا يعطف على المضمر، فلذلك اختير الرفع، ولأن معنى الرفع أيضا أبين، لأن ما يتلى في الكتاب هو الذي بين ما سألوا.
فالمعنى: (قل الله يفتيكم فيهن)، وكتابه يفتيكم فيهن.
وقوله: (وترغبون أن تنكحوهن).