سورة النساء
ج ٢ · ص ١٣٦
فأضمرت لا،. وقال البصريون إن " لا " لا تضمر، وإن المعنى: يبين الله لكم كراهة أن تضلوا، ولكن حذفت " كراهة "، لأن في الكلام دليلا عليها، وإنما جاز الحذف عندهم على أحد، قوله: (واسأل القرية) والمعنى واسأل أهل القرية، فحذف الأول جائز، ويبقى المضاف يدل على المحذوف، قالوا فأما حذف " لا " وهي حرف جاء لمعنى النفي فلا يجوز، ولكن " لا " تدخل في الكلام مؤكدة، وهي لغو كقوله: (لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون).
ومثله قول الشاعر:
وما ألوم البيض ألا تسخرا. . . لما رأين الشمط القفندرا
المعنى وما ألوم البيض أن تسخر.
ومثل دخول " لا " توكيدا قوله عز وجل: (لا أقسم بيوم القيامة).
و (لا أقسم بهذا البلد).
فإن قال قائل: أفيجوز أن تقول لا أحلف عليك، تريد أحلف عليك؟.
قيل " لا " لأن لا، إنما تلغى إذا مضى صدر الكلام على غير النفي، فإذا بنيت الكلام على النفي فقد نقضت الإيجاب، وإنما جاز أن تلغى " لا " في أول السورة، لأن القرآن كله كالسورة الواحدة، ألا ترى أن جواب الشيء قد
ج ٢ · ص ١٣٧
يقع وبينهما سور كما قال جل وعز جوابا لقوله: (وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6).
فقال: (ن والقلم وما يسطرون (1) ما أنت بنعمة ربك بمجنون (2).
ومثله في القرآن كثير.
سورة المائدة
ج ٢ · ص ١٣٨
ومن سورة المائدة
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله جل وعز: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد (1)
خاطب الله جل وعز جميع المؤمنين بالوفاء بالعقود التي عقدها الله
عليهم، والعقود التي يعقدها بعضهم على بعض على ما يوجبه الدين، فقال: (يا أيها الذين آمنوا) أي يا أيها الذين صدقوا النبي - صلى الله عليه وسلم - أوفوا بالعقود، والعقود العهود، يقال: وفيت بالعهد وأوفيت.
والعقود واحذها عقد، وهي - أوكد العهود
يقال: عهدت إلى فلان في كذا وكذا، تأويله ألزمته ذلك.
فإنما قلت عاقدته أو عقدت عليه، فتأويله أنك ألزمته ذلك باستيثاق.
وقال بعضهم أوفوا بالعقود أي كان عقد بعضكم على بعض في
الجاهلية، نحو الموالاة، ونحو قوله: (والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) والمواريث تنسخ العقود في باب المواريث.
يقال عقدت الحبل والعهد فهو معقود.
قال الحطيئة:
قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم. . . شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا