سورة المائدة
ج ٢ · ص ١٧٤
(سماعون لقوم آخرين).
أي هم مستمعون منك لقوم آخرين " لم يأتوك " أي هم عيون لأولئك
الغيب ويجوز أن يكون رفع " سماعون " على معنى ومن الذين هادوا
سماعون فيكون الإخبار أن السماعين منهم، ويرتفع منهم كما تقول: في
قومك عقلاء.
هذا مذهب الأخفش، وزعم سيبويه أن هذا يرتفع بالابتداء.
وقوله: (يحرفون الكلم من بعد مواضعه)
أي من بعد أن وضعه
الله موضعه أي فرض فروضه، وأحل حلاله وحرم حرامه
وقوله: (إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا).
(إن أوتيتم) هذا الحكم المحرف فخذوه.
(وإن لم تؤتوه فاحذروا) أي احذروا إن أفتاكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بغير ما حددنا لكم، فاحذروا أن تعملوا به.
وكان السبب في هذا فيما روي أن الزنا كثر في أشراف إليهود وخيبر.
وكان في التوراة أن على المحصنين الرجم فزنى رجل وامراة، فطمعت إليهود
أن يكون نزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - الجلد في المحصنين، وكانوا قد حرفوا وصاروا يجلدون المحصنين ويسودون وجوههما، فأوحى الله جل ثناؤه أنهم يستفتونه في أمر هاتين المراتين، وأعلمه أن الله يأمرهم عن أعلمهم بالتوراة، فأعلموه إنه ليس بحاضر، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - قد علمت، وكان جبريل قد أعلمه مكانه فأمرهم أن يحضروه، فأحضروه، وأوحى الله إلى نبيه أن يستحلفهم
ج ٢ · ص ١٧٥
ليصدقنه، فلما حضر عالمهم قال له النبي: أسالك بالذي أنزل التوراة على
موسى، ورفع فوقكم الطور، وفلق لكم البحر، هل في التوراة أن يرجم
المحصنان إذا زنيا؟
قال: نعم. فوثب عليه سفلة إليهود، فقال خفت إن كذبته
أن ينزل بنا عذاب.
ويقال إن الذي سأله النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن صوريا إليهودي، وكان حديث السن، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - أنت أعلم قومك بالتوراة؟ قال: كذا يقولون.
وكان هو المخبر له بأن الرجم فيها، وأنه ساءل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أشياء كان يعرفها من أعلامه فلما أنبأه النبي - صلى الله عليه وسلم - بها قال أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله الأمي العربى الذي بشر به المرسلون.
وهذا الذي ذكرناه من أمر الزانيين مشهور في رواية المفسرين وهو يبين
قوله: (إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا).
والقائل يقول ما تفسير هذا، فلذلك شرحناه، وبالله الحول والقوة.
وقوله: (ومن يرد الله فتنته).
قيل فضيحته وقيل أيضا كفره، ويجوز أن يكون اختباره بما يظهر به
أمره، يقال فتنت الحديد إذا أحميته، وفتنت الرجل إذا أزلته عما كان عليه، ومنه قوله: (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك) أي وإن كادوا
ليزيلونك.
وقوله: (أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم).
أي أن يهينهم.
(لهم في الدنيا خزي).