سورة البقرة
ج ١ · ص ١٣٧
وفي هذه الآية ذكر البعث بعد موت وقع في الدنيا.
مثل قوله تعالى: (فأماته الله مائة عام ثم بعثه).
ومثل قوله عز وجل: (فقال لهم الله موتوا ثم أحيأهم)
وذلك احتجاج على مشركي العرب الذين لم يكونوا موقنين بالبعث، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأخبار عمن بعث بعد
الموت في الدنيا مما توافقه عليه إليهود والنصارى، وأرباب الكتب فاحتج
- صلى الله عليه وسلم - بحجة الله التي يوافقه عليها جميع من خالفه من أهل الكتب.
وقوله (لعلكم تشكرون) أي في أن بعثكم بعد الموت، وأعلمكم أن
قدرته عليكم هذه القدرة، وأن الإقالة بعد الموت لا شيء بعدها، وهي
كالمضطرة إلى عبادة الله.
وقوله: (وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (57)
سخر الله لهم السحاب يظللهم حين خرجوا إلى الأرض المقدسة.
وأنزل عليهم المن والسلوى. وجملة المن ما يمن الله به مما لا تعب فيه ولا
نصب وأهل التفسير يقولون إن المن شيء يسقط على الشجر حلو يشرب.
ويقال إنه " الترنجين "،، ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين، ومعنى المن على ما وصفنا في اللغة ما يمن الله به من غير تعب ولا نصب، والسلوى طائر كالسماني، وذكر إنه كان يأتيهم من هذين ما فيه كفايتهم.
ج ١ · ص ١٣٨
وقوله: (كلوا من طيبات ما رزقناكم)
قالوا إن معناه من هذه الطيبات، وقالوا أيضا مما هو حلال لكم.
* * *
وقوله عز وجل: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (58)
الرغد: الواسع الذي لا يعني.
وقوله: (وادخلوا الباب سجدا) أمروا بأن يدخلوا ساجدين.
(وقولوا حطة):، هناه وقولوا مسألتنا حطة، أي حط ذنوبنا عنا، وكذلك
القراءة، ولو قرئ حطة كان وجهها في العربية كأنهم قيل لهم، قولوا
احطط عنا ذنوبنا حطة. فحرفوا هذا القول وقالوا لفظة غير هذه اللفظة التي
أمروا بها، وجملة ما قالوا أنه أمر عظيم سماهم الله به فاسقين.
وقوله: (نغفر لكم) جزم جواب الأمر، المعنى أن تقولوا ما أمرتم به
نغفر لكم خطاياكم، وقرأ بعضهم " نغفر لكم خطيئاتكم " والقراءة الأولى أكثر، فمن قال خطيئاتكم، فهو جمع خطيئة بالألف والتاء، نحو سفينة وسفينات، وصحيفة وصحيفات، والقراءة كما وصفنا (نغفر لكم خطاياكم)، والأصل في خطايا - خطائئ فتجمع همزتان تقلب الثانية ياء فتصير خطائي، فأعل - مثل " حظاعي " ثم يجب أن تقلب الياء والكسرة إلى الفتحة والألف - فتصير خطاءا، مثل حظاعا، فيجب بأن تبدل الهمزة ياء، لوقوعها بين ألفين، لأن الهمزة مجانسة للألفات فاجتمعت ثلاثة أحرف من جنس واحد، وهذا الذي ذكرناه مذهب سيبويه ولسيبويه مذهب آخر أصله للخليل، وهو أنه زعم أن