سورة الحجر
ج ٣ · ص ١٨٢
أصنافا وجمعت، فقلت ضربتهم ضربن، وضربتهم ضروبا، أي أجناسا من
الضرب، والضيف مصدر ضفت الرجل أضيفه ضيفا. فأنا ضائف، والرجل
مضيف إذا كان مفعولا، وأضفته إذا أنزلته.
* * *
(قالوا أولم ننهك عن العالمين (70)
معناه: ألم ننهك عن ضيافة العالمين.
* * *
(قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين (71)
فالجواب محمول على المعنى، لأنهم أرادوا الضيفان للفساد، فقال
لهم لوط: هؤلاء بناتي لأن نساء أمة كل نبي بمنزلة بناته وأزواجه بمنزلة
أمهاتهم، المعنى النساء على جهة التزويج أطهر لكم.
ومعنى (إن كنتم فاعلين).
أي إن كنتم مريدين لهذا الشأن فعليكم بالتزويج ببناتي.
* * *
(لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72)
هذه الآية آية عظيمة في تفضيل النبي عليه السلام أعني قوله سبحانه
(لعمرك)، جاء في التفسير أنه قسم بحياة محمد - صلى الله عليه وسلم - كذلك أكثر التفسير، وقد جاء في بعض التفسير: (لعمرك) كلمة من كلام العرب، ولست أحب هذا التفسير، لأن قوله: كلمة من كلام العرب لا فائدة فيه، لأن القرآن كله عربي مبين، وكلمه من كلام العرب، فلا بد من أن يقال ما معناها.
وقال سيبويه والخليل وجميع أهل اللغة: العمر والعمر بمعنى واحد.
فإذا استعمل في القسم فتح أوله لا غير، لا تقول العرب إلا لعمرك، وإنما
آثروا الفتح في القسم لأن الفتح أخف عليهم وهم يكثرون القسم بلعمري.
ولعمرك، فلما كثر استعمالهم إياه لزموا الأخف عليهم.
ج ٣ · ص ١٨٣
وقال النحويون ارتفع لعمرك بالابتداء والخبر محذوف، المعنى لعمرك
قسمي، ولعمرك ما أقسم به. وحذف الخبر لأن في الكلام دليلا عليه.
المعنى أقسم إنهم لفي سكرتهم يعمهون، ومعنى يعمهون يتحيرون.
وباب القسم قد يحذف معه الفعل، تقول: والله لأفعلن وتالله لأفعلن، والمعنى أحلف بالله، وأحلف والله، فيحذف أحلف لعلم المخاطب بأنك حالف، وكذلك يحذف خبر الابتداء كما ذكرنا.
* * *
وقوله: (فأخذتهم الصيحة مشرقين (73)
أي أخذت قوم لوط الصيحة بالعذاب مشرقين، يقال أشرقنا فنحن
مشرقون، إذا صادفوا شروق الشمس، وهو طلوعها، كما تقول أصبحنا إذا صادفوا الصبح. يقال شرقت الشمس إذا طلعت وأشرقت بمعنى واحد، إلا أن معنى " مشرقين " في معنى مصادفين لطلوع الشمس.
* * *
وقوله: (فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل (74)
معنى (من سجيل) من طين عليه كتاب. واشتقاق ذلك من السجل.
ودليل هذا التفسير قوله: (حجارة من طين (33) مسومة عند ربك).
فأعلم أنها من طين وأنها مسومة أي معلمة لعلامات الكتاب.
* * *
(إن في ذلك لآيات للمتوسمين (75)
قيل المتوسمون المتفرسون، وقيل المتفكرون. وحقيقته في اللغة
المتوسمون النظار المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء تقول
توسمت في فلان كذا وكذا، أي عرفت وسم ذلك فيه.