تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

سورة البقرة — معاني القرآن وإعرابه

من معاني القرآن وإعرابه لـإبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج — الورقة ١٣٠ من ٢٬١٤٨.

سورة البقرة

ج ١ · ص ١٦٨

نصب كلما كنصب سائر الظروف، ومعنى استكبرتم أنفتم وتعظمتم من

أن تكونوا أتباعا، لأنهم كانت لهم رياسة، وكانوا متبوعين فآثروا الدنيا على

الآخرة.

* * *

وقوله عز وجل: (وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون (88)

تقرأ على وجهين غلف وغلف، وأجود القراءتين غلف بإسكان اللام لأن

له شاهدا من القرآن ومعنى غلف ذوات غلف، الواحد منها أغلف وغلف

مثل أحمر وحمر، فكأنهم قالوا قلوبنا في أوعية، والدليل على ذلك قوله:

(وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب)

ومن قرأ (غلف) فهو جمع غلاف وغلف، مثل مثال ومثل، وحمار وحمر، فيكون معنى هذا: إن قلوبنا أوعية للعلم، والأول أشبه ويجوز أن تسكن غلف فيقال غلف كما يقال في جمع مثال مثل.

فأعلم الله عز وجل أن الأمر على خلاف ما قالوا فقال: (بل لعنهم الله بكفرهم).

معنى لعنهم في اللغة أبعدهم، فالتأويل - والله أعلم - بل طبع الله على

قلوبهم كما قال: (ختم الله على قلوبهم) ثم أخبر عز وجل أن ذلك مجازاة

منه لهم على كفرهم فقال (بل لعنهم الله بكفرهم)، واللعن كما وصفنا الإبعاد.

قال الشماخ:

وماء قد وردت لوصل أروى. . . عليه الطير كالورق اللجين

ج ١ · ص ١٦٩

ذعرت به القطا ونفيت عنه. . . مقام الذئب كالرجل اللعين

* * *

وقوله: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين (89)

تقرأ (جاءهم) بفتح الجيم والتفخيم، وهي لغة أهل الحجاز، وهي اللغة

العليا القدمى، والإمالة إلى الكسر لغة بني تميم وكثير من العرب، ووجهها

أنها الأصل من ذوات الياء فأميلت لتدل عدى ذلك، ومعنى كتاب الله ههنا

القرآن، واشتقاقه من الكتب وهي جمع كتبة وهي الخرزة وكل ما ضممت

بعضه إلى بعض على جهة التقارب والاجتماع فقد كتبته، والكتيبة الفرقة التي تحارب من هذا اشتقاقها لأن بعضها منضم إلى بعض، وسمى كلام الله

عز وجل الذي أنزل على نبيه كتابا، وقرآنأ وفرقانا فقد فسرنا معنى كتاب.

ومعنى قرآن معنى الجمع، يقال ما قرأت هذه الناقة سلى قط أي لم يضطم

رحمها على ولد قط - قال الشاعر:

هجان اللون لم تقرأ جنينا

قال أكثر الناس: لم تجتمع جنينا أي لم تضم رحمها على الجنين.

وقال قطرب في قرآن قولين، أحدهما هذا، وهو المعروف الذي عليه أكثر

الناس، والقول الآخر ليس بخارج من الصحة وهو حسن - قال - لم تقرأ

جنينا - لم تلقه (مجموعا).

وقال يجوز أن يكون معنى قرأت لفظت به

ت. عبد الجليل عبده شلبي — عالم الكتب - بيروت — الأولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م