سورة البقرة
ج ١ · ص ٢١٢
وقوله عز وجل: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون (134)
معنى (خلت) مضت، كما تقول لثلاث خلون من الشهر أي مضين.
وقوله عز وجل: (ولا تسألون عما كانوا يعملون).
المعنى: إنما تسألون عن أعمالكم.
* * *
وقوله عز وجل: (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (135)
المعنى: قالت إليهود: كونوا هودا، وقالت النصارى: كونوا نصارى.
وجزم تهتدوا على الجواب للأمر، وإنما معنى الشرط قائم في الكلمة.
المعنى إن تكونوا على هذه الملة تهتدوا، فجزم تهتدوا على الحقيقة جواب
الجزاء.
* * *
وقوله عز وجل: (بل ملة إبراهيم حنيفا).
تنصب الملة على تقدير بل نتبع ملة إبراهيم ويجوز أن تنصب على
معنى: بل نكون أهل ملة إبراهيم، وتحذف " الأهل " كما قال الله عز وجل: (واسأل القرية التي كنا فيها) لأن القرية لا تسأل ولا تجيب.
ويجوز الرفع (بل ملة إبراهيم حنيفا).
والأجود والأكثر: النصب. ومجاز الرفع على معنى: قل ملتنا وديننا ملة إبراهيم، ونصب (حنيفا) على الحال.
المعنى: بل نتبع ملة إبراهيم في حال حنيفته، ومعنى الحنيفة في اللغة الميل.
فالمعنى: أن إبراهيم حنيف إلى دين الله، دين الإسلام.
كما قال عز وجل: (إن الدين عند الله الإسلام) فلم يبعث نبي إلا به.
وإن اختلفت شرائعهم، فالعقد توحيد الله عز وجل والإيمان برسله وإن اختلفت الشرائع،
ج ١ · ص ٢١٣
إلا أنه لا يجوز أن تترك شريعة نبي، أو يعمل بشريعة نبي قبله تخالف شريعة
نبي الأمة التي يكون فيها.
وإنما أخذ الحنف من قولهم: - امراة حنفاء ورجل أحنف، وهو الذي
تميل قدماه كل واحدة منهما بأصابعها إلى أختها بأصابعها، قالت أم الأحنف
بن قيس وكانت ترقصه، وخرج سيد بني تميم: -
والله لولا حنف في رجله. . . ودقة في ساقه من هزله
ما كان في فتيانكم من مثله
* * *
وقوله عز وجل: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (136)
(لا نفرق بين أحد منهم)
المعنى: لا نكفر ببعض ونؤمن ببعض.
* * *
وقوله عز وجل: (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم (137)
فإن قال قائل: فهل للإيمان مثل هو غير الإيمان؟
قيل له: المعنى واضح بين، وتأويله: فإن أتوا بتصديق مثل تصديقكم وإيمانكم - بالأنبياء، ووحدوا كتوحيدكم - فقد اهتدوا، أي فقد صاروا مسلمين مثلكم.
(وإن تولوا فإنما هم في شقاق) أي في مشاقة وعداوة ومن هذا قول
الناس: فلان قد شق عصا المسلمين، إنما هو قد فارق ما اجتمعوا عليه من
اتباع إمامهم، وإنما صار في شق - غير شق المسلمين.
وقوله جمز وجل: (فسيكفيكهم الله).
هذا ضمان من الله عز وجل في النصر لنبيه - صلى الله عليه وسلم - لأنه إنما يكفيه إياهم