سورة البقرة
ج ١ · ص ٢٣٥
إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (161)
يعني لم يتوبوا قبل موتهم من كفرهم.
(أولئك عليهم لعنة الله)، واللعنة هي إبعاد الله، وإبعاده عذابه.
* * *
وقوله عز وجل: (والملائكة والناس أجمعين).
المعنى لعنة الملائكة ولعنة الناس أجمعين.
فإن قال قائل: كيف يلعنه الناس أجمعون، وأهل دينه لا يلعنونه؟
قيل له إنهم يلعنونه في الآخرة، كما قال عز وجل:
(ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا)
وقرأ الحسن: "أولئك عليهم لعنة الله [والملائكة والناس] أجمعين)
وهو جيد في العربية إلا أني أكرهه لمخالفته - المصحف، والقراءة، إنما ينبغي أن يلزم فيها السنة، ولزوم السنة فيها أيضا أقوى غند أهل العربية، لأن الإجماع في القراءة إنما يقع على الشيء الجيد البالغ ورفع الملائكة في قراءة الحسن على تأويل: أولئك جزاؤهم أن لعنهم الله والملائكة، فعطف الملائكة على موضع إعراب لله في التأويل.
ويجوز على هذا عجبت من ضرب زيد وعمرو ومن قيامك وأخوك:
المعنى عجبت من أن ضرب زيد وعمرو ومن أن قمت أنت وأخوك.
ومعنى (خالدين فيها) أي في اللعنة.
وخلودهم فيها خلود في العذاب.
* * *
وقوله عز وجل: (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (163)
أخبر عز وجل بوحدانيته ثم أخبر بالاحتجاج في الدلالة على أنه واحد
فقال:
ج ١ · ص ٢٣٦
(إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون (164)
فهذه الآيات تدل على أنه واحد - عز وجل - فأما الآية في أمر السماء فمن
أعظم الآية لأنهها سقف بغير عمد، والآية في الأرض عظيمة فيما يرى من
سهلها وجبلها وبحارها. وما فيها من معادن الذهب والفضة والرصاص والحديد اللاتي لا يمكن أحد أن ينشئ مثلها، وكذلك في تصريف الرياح، وتصريفها أنها تأتي من كل أفق فتكون شمالا مرة وجنوبا مرة ودبورا مرة وصبا مرة، وتأتي لواقح للسحاب.
فهذه الأشياء وجميع ما بث الله في الأرض دالة على أنه واحد.
كما قال عز وجل: (وإلهكم إله واحد) - لا إله غيره لأنه لا يأتي آت بمثل هذه الآيات (إلا واحدا).
* * *
وقوله عز وجل: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب (165)
فأعلم أن بعد هذا البيان والبرهان؛ تتخذ من دونه الأنداد.
وهي الأمثال، فأبان أن من الناس من يتخذ ندا يعلم أنه لا ينفع ولا يضر ولا يأتي بشيء مما ذكرنا، وعنى بهذا مشركي العرب.
* * *
وقوله عز وجل: (يحبونهم كحب الله).
أي يسوون بين هذه الأوثان وبين الله - عز وجل - في المحبة.
وقال بعض النحويين، يحبونهم كحبكم أنتم لله - وهذا قول ليس بشيء - ودليل نقضه قوله: (والذين آمنوا أشد حبا لله)
والمعنى أن المخلصين الذين لا يشركون مع الله غيره
هم المحبون حقا.