تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

سورة النساء — معاني القرآن وإعرابه

من معاني القرآن وإعرابه لـإبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج — الورقة ٥٥٤ من ٢٬١٤٨.

سورة النساء

ج ٢ · ص ٩٥

و " فعل " من الله بمنزلة ما في الحال، فالمعنى - والله أعلم - والله عفو غفور.

والذي قاله الحسن وغيره أدخل في اللغة، وأشبه بكلام العرب.

وأما القول الثالث فمعناه يؤول إلى ما قاله الحسن وسيبويه، إلا أن يكون الماضي بمعنى الحال يقل.

وصاحب هذا القول له من الحجة قولنا " غفر الله لفلان "

بمعنى ليغفر الله له فلما كان في الحال دليل على الاستقبال وقع الماضي

مؤديا عنها استخفافا، لأن اختلاف ألفاظ الأفعال إنما وقع لاختلاف الأوقات، فإذا أعلمت الأحوال والأوقات استغني بلفظ بعض الأفعال عن لفظ بعض.

الدليل على ذلك قوله جل وعز:

(من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)

وقوله: (ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا)

معناه من يتب ومن يجئ بالحسنة يعط عشر أمثالها.

* * *

وقوله: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما (100)

معنى مراغم معنى مهاجر، المعنى يجد في الأرض مهاجرا، لأن

المهاجر لقومه والمراغم بمنزلة واحدة، وإن اختلف اللفظان

وقال الشاعر:

إلى بلد غير داني المحل. . . بعيد المراغم والمضطرب

وقيل المراغم ههنا المضطرب، وليس المراغم ههنا إلا المضطرب في

حال هجرة، وإن كان مشتقا من الرغام، والرغام التراب وتأويل قولك راغمت

ج ٢ · ص ٩٦

فلانا أي هجرته وعاديته، ولم أبال رغم أنفه، أي وإن لصق أنفه بالتراب.

والرغام والرغائم ما يسيل من الأنف، والأنف يوصف بالرغم فيضرب مثلا لكل ذليل فيقال على رغم أنفه.

وقوله: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا (102)

(وإذا كنت فيهم)

هذه الهاء والميم يعودان على المؤمنين. أي وإذا كنت أيها النبي في

المؤمنين في غزواتهم وخوفهم.

(فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا).

أي فإذا سجدت الطائفة التي قامت معك.

(فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم).

جائز أن يكون - والله أعلم - ولتأخذ الجماعة حذرهم وأسلحتهم.

ويجوز أن يكون الذين هم وجاه العدو يأخذون أسلحتهم، لأن من في

الصلاة غير مقاتل، وجائز أن تكون الجماعة أمرت بحمل السلاح وإن كان

بعضها لا يقاتل لأنه أرهب للعدو وأحرى ألا يقدم على الحذرين المتيقظين

المتاهبين للحرب في كل حال.

وقد اختلف الناس في صلاة الخوف فزعم مالك بن أنس أن أحب ما

روي فيها إليه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام يصلي وقامت خلفه طائفة من المؤمنين وطائفة

وجاه العدو، فصلى بالطائفة التي خلفه ركعة وقام فأتمت الطائفة بركعة أخرى وسلمت، وهو - صلى الله عليه وسلم - واقف، ثم انصرفت وقامت وجاه العدو، والنبى - صلى الله عليه وسلم - واقف

ت. عبد الجليل عبده شلبي — عالم الكتب - بيروت — الأولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م