سورة النساء
ج ٢ · ص ٩٩
وقوله: (ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما (104)
هذا خطاب للمؤمنين، والقوم ههنا الكفار الذين هم حرب المؤمنين.
وتأويل: (لا تهنوا) في اللغة لا تضعفوا، يقال وهن الرجل يهن إذا ضعف
فهو وهن. ومعنى (ابتغاء القوم): طلب القوم بالحرب.
وقوله: (إن تكونوا تألمون فإنهم).
أي إن تكونوا توجعون فإنهم يجدون من الوجع بما ينالهم من الجراح
والتعب كما تجدون، وأنتم مع ذلك (ترجون من الله ما لا يرجون).
أي أنتم ترجون النصر الذي وعدكم الله به، وإظهار دينكم على سائر
أديان أهل الملل المخالفة لأهل الإسلام وترجون مع ذلك الجنة، وهم - أعني
المشركين - لايرجون الجنة لأنهم كانوا غير مقرين بالبعث فأنتم ترجون من الله ما لا يرجون.
قال بعض أهل التفسير: معنى " ترجون " ههنا تخافون، وأجمع أهل اللغة
الموثوق بعلمهم: أن الرجاء ههنا على معنى الأمل لا على تصريح الخوف.
وقال بعضهم: الرجاء لا يكون بمعنى الخوف إلا مع الجحد.
قال الشاعر.
لا ترتجى حين تلاقي الذائدا. . . أسبعة لاقت معا أم واحدا
معناه لا تخاف.
وكذلك قوله عز وجل: (ما لكم لا ترجون لله وقارا (13).
أي لا تخافون لله عظمة ولا عظة.
وإنما اشتمل الرجاء على معنى الخوف لأن الرجاء أمل قد يخاف ألا
يتم.
ج ٢ · ص ١٠٠
وقوله جل وعز: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما (105)
أي بالحق الذي أعلمكه الله عز وجل.
وقوله: (ولا تكن للخائنين خصيما):
أي لا تكن مخاصما ولا دافعا عن خائن.
ويروى أن رجلا من الأنصار كان يقال له أبو طعمة أو طعمة سرق درعا
وجعله في غرارة دقيق، وكان فيها خرق، فانتثر الدقيق من مكان سرقته إلى
منزله فظن به أنه سارق الدرع وحيص في أمره، فمضى بالدرع إلى رجل
من إليهود فأودعها إياه ثم صار إلى قومه فأعلمه أنه لما اتهم بالدرع اتبع أثرها
فعلم أنها عند إليهودي، وأن إليهودي سارقها، فجاء قومه أي طعمة أو طعمة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألوه أن يعذره عند الناس، وأعلموه أن إليهودي صاحب الدرع، وكان بعضهم قد علم أن أبا طعمة قد رمى إليهودي وهو بريء من الدرع، فهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعذره، فأوحى الله إليه وعرفه قصته أي طعمة
وأعلمه أنه خائن، ونهاه أن يحتج له، وأمره بالاستغفار مما هم به، وأن يحكم
بما أنزل الله في كتابه، فقال:
(ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما (107)
يعني أبا طعمة ومن عاونه من قومه، وهم يعلمون أنه سارق.
ويروى أن أبا طعمة هذا هرب إلى مكة وارتد عن الإسلام، وأنه نقب حائطا بمكة ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله.
* * *
وقوله: (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا (108)
(إذ يبيتون ما لا يرضى من القول)
كل ما فكر فيه أوخيض فيه بليل فقد بيت.