سورة النساء
ج ٢ · ص ١١٠
أي لا يجدون عنها معدلا ولا ملجأ.
يقال حصت عن الرجل أحيص، ورووا جضت عنه أجيض بالجيم
والضاد المعجمة، بمعنى حصت، ولا يجوز ذلك في القرآن، وإن كان
المعنى واحدا والخط غير مخالف، لأن القرآن سنة لا تخالف فيه الرواية عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والسلف وقراء الأمصار بما يجوز في النحو واللغة، وما فيه أفصح مما يجوز. فالاتباع فيه أولى.
يقال حصت أحوص حوصا وحياصا، إذا خطت، قال الأصمعي: يقال
حص عين صقرك أي خط عينه، والحوص في العين ضيق مؤخرها.
والخوص بالخاء - معجمة - غؤورها.
* * *
وقوله: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا (123)
اسم ليس مضمر، المعنى ليس ثواب الله بأمانيكم ولا أماني أهل
الكتاب، وقد جرى ما يدل على إضمار الثواب، وهو قوله: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا).
أي إنما يدخل الجنة من آمن وعمل صالحا. ليس كما يتمنى أهل
الكتاب، لأنهم كانوا يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه.
وقالوا: (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة)، فأعلم الله عز وجل أن دخول الجنة وثواب الله على الحسنات والسيئات ليس بالأماني ولكنه بالأعمال.
ثم ذكر بعض ذلك فقال عز وجل:
ج ٢ · ص ١١١
(من يعمل سوءا يجز به).
أي لا ينفعه تمنيه.
(ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا (123) ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا (124)
فأعلم الله أن عامل السوء لا ينفعه تمنيه، ولا يتولاه فتول ولا ينصره
ناصر.
وقد احتج قوم من أصحاب الوعيد بقوله:
(ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا).
فزعموا أن هذا يدل على أن من عمل السوء جزي به.
وقد أعلم الله عز وجل أنه يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، فعامل السوء - ما لم يكن كافرا - مرجو له العفو والرحمة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - شافع لأمته يشفع فيهم.
ومعنى: (ولا يظلمون نقيرا).
النقير النقطه في ظهر النواة، وهي منبت النخلة، والمعنى: ولا يظلمون
مقدار ذلك.
* * *
(ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا (125)
وقوله: (واتخذ الله إبراهيم خليلا).
الخليل المحب الذي ليس في محبته خلل فجائز أن يكون إبراهيم
سمى خليل الله بأنه الذي أحبه الله واصطفاه محبة تامة كاملة.
وقيل أيضا الخليل الفقير، فجائز أن يكون فقير الله، أي الذي لم يجعل فقره وفاقته إلا إلى الله مخلصا في ذلك، قال الله عز وجل: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله).
ومثل أن إبراهيم الخليل الفقير إلى الله قول زهير يمدح هرم بن سنان