سورة المائدة
ج ٢ · ص ١٧٠
موضع " الذين " نصب، فيكون المعنى جزاؤهم الذي وصفنا إلا التائبين.
ثم قال بعد: (أن الله غفور رحيم)
والله جل وعز، جعل التوبة لك، فادرأوا عنهم الحدود التي وجبت عليهم في كفرهم ليكون ذلك أدعى إلى الدخول في الإسلام.
وجعل توبة المؤمنين من الزنا والقتل والسرقة لا ترفع عنهم إقامة
الحدود عليهم، وتدفع عنهم العذاب في الآخرة، لأن في إقامة الحدود
الصلاح للمؤمنين، والحياة، قال الله جل ثناؤه:
(ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب).
* * *
وقوله: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون (35)
معناه اطلبوا إليه القربة.
(وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون).
أي لعلكم تظفرون بعدوكم، والمفلح الفائز بما فيه غاية صلاح حاله.
* * *
وقوله: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم (38)
اختلف النحويون في تفسير الرفع فيهما.
قال سيبويه وكثير من البصريين إن هذا وقوله: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة).
وقوله: (واللذان يأتيانها منكم فآذوهما).
هذه الأشياء مرفوعة على معنى:
وفيما فرض الله عليكم السارق والسارقة، والزانية والزاني، أو السارق
والسارقة فيما فرض الله عليكم.
ومعنى قولهم هذا: فيما فرض عليكم حكم السارق والسارقة.
وقال سيبويه: الاختيار في هذا النصب في العربية.
كما تقول زيدا أضربه، وقال أبت العامة القراءة إلا بالرفع، يعني بالعامة
ج ٢ · ص ١٧١
الجماعة.
وقرأ عيسى ابن عمر: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ".
وكذلك الزانية والزاني، وهذه القراءة وإن كان القارئ بها مقدما لا أحب أن يقرأ بها، لأن الجماعة أولى بالاتباع، إذ كانت القراءة سنة.
قال أبو إسحاق: ودليلي أن القراءة الجيدة بالرفع في. . والزانية والزاني.
في، (والسارق والسارقة) قوله جل ثناؤة: (واللذان يأتيانها منكم فآذوهما).
وقال غير سيبويه من البصريين. وهو محمد بن يزيد المبرد: اختار أن
يكون (والسارق والسارقة) رفعا بالابتداء، لأن القصد ليس إلى واحد بعينه.
فليس هو مثل قولك زيدا فأضربه، إنما هو كقولك: من سرق فاقطع يده.
ومن زنى فاجلده، وهذا القول هو المختار، وهو مذهب بعض البصريين
والكوفيين.
وقيل " أيديهما " يعني به أيمانهما
. وفي قراءة ابن مسعود "والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم."
قال بعض النحويين: إنما جعلت تثنية ما في الإنسان منه واحد؛ لأن أكثر
أعضائه فيه منه اثنان فحمل ما كان فيه الواحد على مثل ذلك.
قال لأن للإنسان عينين فإذا ثنيت قلت عيونهما فجعلت قلوبكما وظهورهما في القرآن، وكذلك أيديهما، وهذا خطأ، إنما ينبغي أن يفصل بين ما في الشيء منه واحد، وبين ما في الشيء منه اثنان.