سورة المائدة
ج ٢ · ص ١٨٤
حييت من طلل تقادم عهده. . . أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
فإن معنى أقوى وأقفر يدل على الخلوة، إلا أن اللفظين أوكد في الخلو
من لفط واحد.
وقال أبو العباس محمد بن يزيد: (شرعة) معناها ابتداء الطريق.
والمنهاج الطريق المستمر، قال: وهذه الألفاظ إذا تكررت في مثل هذا
فللزيادة في الفائدة، قال وكذلك قول الحطيئة:
ألا حبذا هند وأرض بها هند. . . وهند أتى من دونها النأي والبعد
قال: النأي لكل ما قل بعده منك أو كثر، كأنه يقول:
النأي المفارقة قلت أو كثرت، والبعد إنما يستعمل في الشيء البعيد
ومعنى البعيد عنده ما كثرت مسافة مفارقته، وكانه يقول لما قرب منه هو ناء عني، وكذلك لما بعد عنه، والنأي عنده المفارقة.
* * *
وقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين (57)
هزءا فيه لغات، إن شئت قلت هزؤا بضم الزاي وتحقيق الهمزة، وهو
الأصل والأجود، وإن شئت قلت هزوا وأبدلت من الهمزة واوا، لانضمام ما قبلها وأنها مفتوحة، وإن شئت قلت: هزءا بإسكان الزاي وتحقيق الهمزة.
فهذه الأوجه الثلاثة جيدة يقرأ بهن.
وفيها وجه آخر. ولا تجوز القراءة به لأنه لم يقرأ به، وهو أن يقول هزا مثل هدى وذلك يجوز إذا أردت تخفيف همزة
ج ٢ · ص ١٨٥
هزء فيمن أسكن الزاي أن يقول هزا. تطرح حركتها على الزاي كما تقول
رأيت خبا تريد خبئا.
* * *
وقوله: (من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار).
النصب فيه على العطف على قوله: (لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا) أي، ولا تتخذوا الكفار أولياء، ويجوز والكفار أولياء على العطف
على الذين أوتوا الكتاب، المعنى من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الكفار أولياء.
* * *
وقوله: (قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون (59)
يقال: نقمت على الرجل أنقم، ونقمت عليه أنقم.
والأجود نقمت أنقم، وكذلك الأكثر في القراءة: (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد).
وأنشد بيت ابن قيس الرقيات.
ما نقموا من أمية إلا. . . أنهم يحلمون إن غضبوا
بالفتح والكسر، نقموا ونقموا، ومعنى نقمت بالغت في كراهة الشيء.
وقوله: (وأن أكثركم فاسقون).
المعنى: هل تكرهون منا إلا إيماننا وفسقكم، أي إنما كرهتم إيماننا