سورة المائدة
ج ٢ · ص ١٩٦
وصديق فعيل من أبنية المبالغة كما تقول فلان سكيت أي مبالغ في السكوت.
وقوله: (كانا يأكلان الطعام).
هذا احتجاج بين، أي إنما يعيشان بالغذاء كما يعيش سائر الآدميين.
فكيف يكون إلها من لا يقيمه إلا أكل الطعام.
وقوله: (انظر كيف نبين لهم الآيات).
أي العلامات الواضحة.
(ثم انظر) أي انظر بعد البيان.
(أنى يؤفكون).
أي من أين يصرفون عن الحق الواضح.
وكل شيء صرفته عن شيء وقلبته عنه، تقول أفكته آفكه إفكا، والإفك
الكذب إنما سمي لأنه صرف عن الحق، والمؤتفكات الرياح التي تأتي من
جهات على غير قصد واحد.
وقوله: (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل (77)
أهواء جمع هوى، وهوى النفس مقمبور لأنه مثل الفرق وفعل جمعه
أفعال، وتأويله لا تتبعوا شهواتهم لأنهم آثروا الشهوات على البيان والبرهان.
وما في القرآن من ذكر اتباع الهوى مذموم نحو قوله:
(ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله)
وقوله: (واتبع هواه فتردى) وقوله: (وما ينطق عن الهوى).
ج ٢ · ص ١٩٧
ومعنى (وأضلوا كثيرا) الكثير اتبعوهم.
(وضلوا عن سواء السبيل).
أي ضلوا بإضلالهم عن قصد السبيل.
* * *
وقوله: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (78)
تأويل لعنوا بوعدوا من رحمة الله.
(على لسان داوود وعيسى ابن مريم)
جاء في التفسير أن قوما اجتمعوا على منكر، فأتاهم داود عليه السلام
ينهاهم عنه، فاستأذن عليهم فقالوا نحن قرود وما نفقه ما تقول، فقال كونوا
قردة، فمسخهم الله قردة، وأن قوما اجتمعوا على عيسى يسبونه في أمه
ويرجمونه فسأل الله أن يجعلهم خنازير فصاروا خنازير، وذلك لعنهم على
لسان داود وعيسى.
وجائز أن يكون داود وعيسى أعلما أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - نبي وأنهما لعنا من كفر به.
وقوله؛ (ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون).
أي ذلك اللعن بمعصيتهم واعتدائهم.
و" ذلك " الكاف فيه للمخاطبة، واللام في ذلك كسرت لالتقاء الساكنين.
ولم يذكر الكوفيون كسر هذه اللام في شيء من كتبهم ولا عرفوه، وهذه من الأشياء التي كان ينبغي أن يتكلموا فيها، إذ كان " ذلك " إشارة إلى كل
متراخ عنك، إلا أن تركهم الكلام أعود عليهم من تكلمهم إذ كان أول ما
نطقوا به في فعل قد نقض سائر العربية، وقد بينا ذلك قديما.